المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

الأمن أساس الملك

تم النشر: تم التحديث:

الأصل أن العدل أساس الملك، ولكن العدل لا يمكن أن يتحقق من دون الحد الأدنى من الأمن؛ حيث إن الأمن يمثل واحداً من الأولويات اللازمة للحاجات الإنسانية كلها، التي وضع أصولها عالم النفس إبراهام ماسلو.

إن توفير الأمن بصورة مطلقة لا يمكن تحقيقه مهما بذلنا من جهد، فالجريمة مرافقة دائماً للمجتمعات ولا يخلو مجتمع من جرائم فردية، ولكننا نركز هنا على الأمن الوطني الذي تهدده الميليشيات والعصابات المسلحة والجريمة المنظمة ومافيات الأحزاب، وهذه تعتبر من أخطر التحديات التي تهدد المجتمع العراقي.

إن توفير الأمن لا يتم باستخدام القوة فقط، وإنما هناك أدوات أهم وأكثر فاعلية واستدامة، وإن الثقة بين المواطن والحكومة تعد من أهم هذه الأدوات. فإذا كنا لا نحترم المواطن ونهمله ولا نلبي احتياجاته الأساسية، وإذا كنا نقرب الموالين للحزب وللمسؤول، فكيف يمكن لنا أن نطلب من المواطن التعاون معنا، ويدلنا على مكامن وتواجد العصابات والإرهابيين، وإذا كنا نميز بين المواطنين في الحقوق والواجبات، فلا يحق لنا مطالبة المواطن بتنفيذ واجباته وفق أسس المواطنة؛ لأنه أساساً ابتعد عن الشعور الوطني وهو يرى المسؤول قد تجرد من الوطنية في كل تعاملاته مع المواطن.

إن تفشي الجريمة وانتشار المخدرات وتفكك الأسرة والزيادة الكبيرة في محاولات الانتحار والبطالة هي نتاج طبيعي لتصرّفات المسؤولين المنافية للعدل والمساواة، يضاف إلى ذلك كله فقدان السيطرة على السلاح، رغم كثرة الدعوات لحصر السلاح بيد الدولة.

لقد توسعت الجريمة عندنا بشكل أصبح العيش معها متعذراً، ورغم وجود السيطرات الكثيرة التي تعرقل تنقلات المواطنين، فإن الفساد المستشري فيها قد عطل مهمتها الفاعلة، وأصبحت وسيلة لابتزاز المواطنين، بدلاً من حمايتهم.

إن أساس توفير الأمن في العراق يجب أن ينطلق من العاصمة بغداد أولاً؛ لأن فيها رمزية تواجد الحكومة المركزية، فكيف يغمض لرئيس الوزراء جفن وهو يشهد يومياً العشرات من حالات الاختطاف والقتل والسلب وأمام أعين مَن يدّعون أنهم حماة المواطن، وأصبحت تطال الفئات الفاعلة في المجتمع من أطباء وصحفيين وأكاديميين ومدرسين في عملية يقصد منها تفريغ البلد من الكوادر المتقدمة لتعطيل أي دور مستقبلي له، وهناك أجندات خارجية تبذل الأموال لتحقيق هذا الهدف.

إن عملية حفظ الأمن لا يمكن أن تتم بواسطة مجاميع عسكرية مختلفة بحيث تتعارض المهام مع بعضها البعض، فوزير الداخلية ليس له أي دور في حفظ الأمن، وكذلك وزير الدفاع، وهناك عمليات بغداد التي لم ولن تستطيع حفظ الأمن لاختراقها من قِبَل أحزاب متنفذة فاسدة تستحصل الإتاوات من المواطنين عن طريق نقاط السيطرة المنتشرة في كل مكان.

يضاف إلى كل هذا وذاك حمايات من يدعون أنهم مسؤولون وهم بعيدون كل البعد عن أي مسؤولية، والذين يربكون الشارع بأعمالهم الاستفزازية، وأصبحوا مصدر إرهاب مستمر للمواطنين، وأحياناً كثيرة تصطدم الحمايات مع بعضها البعض من دون أي تنسيق مفترض، وبشكل بعيد كل البعد عن المهنية المطلوبة.

إن هذه الفوضى قد مهّدت الطريق لنمو وانتعاش العصابات وأخلت إخلالاً كبيراً بالأمن، مما أصبح السكوت عنها جريمة لا تغتفر؛ لأن أرواح المواطنين ليست لعبة بأيدي من هبّ ودبّ، وإن المغدورين والشهداء هم أعز علينا من كل أولئك الذين يدعون أنهم مسؤولون وهم بالحقيقة عناصر فاسدة تسلقوا سلم المسؤولية عن طريق أحزاب لا همّ لها سوى ابتزاز المواطنين والضحك على الذقون بدعاوى وطنية أو دينية أو مذهبية.

إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر بنفس الأساليب المتبعة منذ سنين طويلة دون جدوى، وإن الأمر يتطلب حسمه عاجلاً ومن دون إبطاء عن طريق كف يد عمليات بغداد، وتعيين حاكم عسكري لمدينة بغداد يكون متفرغاً لشؤون الأمن فقط ولا علاقة له بالسياسة أو شؤون الدولة الأخرى، يتولى جمع الأسلحة أولاً، ومن ثم إحالة المتهمين على المحكمة، لضمان سلامة الإجراءات القانونية وحماية المواطنين من التعسف.

بعد إنجاز هذه المهمة نعتمد على الأمن الناعم المستند على المعلومة أولاً وبمساعدة المختارين، ثم يتم إبعاد كل المظاهر المسلحة عن المدينة وتبقى فقط مراكز الشرطة التي لها تماس مع المواطنين، وعندئذ وبعد نجاح المهمة في بغداد ننتقل إلى المحافظات، الواحدة تلو الأخرى، وبهذه الطريقة فقط نستطيع أن ننعم بالأمن، ونوفر للمواطن فسحة من الحرية للتنقل والعمل، ونرفع عن كاهله كل هذه الهموم التي ابتلي بها نتيجة غباء وتخلف قياداته السياسية وفسادها، ونحفظ حياة وكرامة نخبنا المخلصة من أي اعتداء ظالم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.