المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

الصيام وثقافة الموت

تم النشر: تم التحديث:

بعد أيام قليلة من الاحتلال الأميركي للعراق، ذهبت إلى فرن الصمون القريب من دارنا، لشراء صمون الفطور كالعادة، فوجدت منشوراً معلقاً على حائط الفرن، كتب في أعلاه: هادم اللذات.. ودفعني الفضول لقراءة هذا المنشور، وأنا في انتظار دوري لتسلم الصمون، فإذا به يحذر من الموت، ويشرح عذاب القبر، مع صور توضيحية مقززة، فاشمأزت نفسي من هذا المنشور الذي يشيع الحزن والكآبة، ولم أكن أعلم أن وراءه سيأتي حكام يتاجرون بالدين، ودواعش يذبحون الناس، حتى أدركت أنهم جميعاً ومن كل الطوائف لهم هدف واحد، هو إشاعة ثقافة الموت بين المواطنين، لاستلاب عقولهم وعواطفهم، والتربع على عرش الحكم المغري، وهناك دول وجهات عديدة ذات أطماع إقليمية تمولهم.

إنهم يعلموننا الدين ليس لصفاء النفوس والدعوة لمكارم الأخلاق، إنما لإشغال الناس وإلهائهم من خلال نشر المفاهيم الدينية التي تدعو للخوف والقلق، ومن ثم مصادرة الفكر وحرية الاختيار.

جاءت كل هذه الأفكار في خاطري في بداية شهر رمضان، وأنا أقرأ مسجات تدعو إلى التشدد، وتحريم المسلسلات والفوازير وتحذر من عذاب الآخرة، ولا يعلم المرسل أنه أداة لمخطط يهدف إلى نبذ الحياة، وإشاعة ثقافة الموت ليس في رمضان فقط إنما خلال أيام السنة كلها، إنهم يعلموننا كيف نموت في سبيل الدين، ولا يعلموننا كيف نعيش من أجل مبادئ إنسانية سامية وُجد الدين أساسا لترسيخها.

لقد كان الناس صياماً وهم يلعبون المحيبس والقصخون، تروى لهم قصص الحب والفروسية في المقاهي، وكان شعارهم دائماً ساعة لقلبك وساعة لربك، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الخوف والقلق والشعور بالذنب من خطايا لم ترتكب.

وكان التآلف والحب يسود بين الناس من داخلهم لصفاء النفوس، وهم يتحلون بالشهامة والغيرة على الجار والصديق والضيف الغريب، حتى جاء الدين الجديد ليكون مصدراً للخوف والقلق من الحياة ومن المستقبل المظلم، والدعوة إلى نبذ كل ما هو جميل من الفن والموسيقى والثقافة.

إن الإيمان نعمة من الله تعالى، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، والدين الحق هو دعوة لحياة مفعمة بالحب والإنسانية، ولكن هل هي مصادفة أن تأتي هذه المفاهيم التي ترسخ الكره وتشيع العداوة والبغضاء بين الناس بعد الاحتلال الأميركي، أم أن هناك من كان يعد العدة لنا منذ زمن ليس بالقصير ليستعمر عقولنا، ويخطف الفرحة من قلوبنا، حتى أصبح الإنسان عندنا أشبه بالمومياء المحنطة، والناس مغمضي الأعين وهم يسيرون وراء غربان تنعق على رؤوسنا ليلاً ونهاراً، هذا حرام، وهذه بدعة، وتلك ضلالة.

لقد حولوا مجتمعنا بشكل كامل إلى منظومة تتبنى ثقافة الموت، بدل إشاعة الأمل والحياة، إن ثقافة الحياة لا تنفصل عن الإبداع الفني والثقافي والإنساني، وإذا كان أدعياء الدين يحرمون الموسيقى والفنون بألوانها الجميلة، فهم يسبغون ألوانهم الرمادية والسوداء على مجمل حياتنا.

إن الحياة تعني الولادة والفرح والانفتاح على خلائق الله الجميلة الزاهية بألوانها البهيجة، أما ثقافة الموت فإنها تدفع إلى القتل والكره والحرب والنزاعات والخصومات، لقد أحيط بنا الموت من كل جانب، ولم نعد نتنفس الحياة؛ لنقول جميعاً وبصوت واحد لكل هؤلاء الذين يشيعون الكراهية باسم الدين: ارحلوا عنا أيها الأموات فنحن نحب الحياة، نحب الإيمان، ونحب الجمال.

إن الإيمان أيها الأحبة وسيلة للحياة وليس للخوف والقلق والفزع من الموت وما بعده، علموا أولادكم كيف يعيشون بالإيمان، ولا تعلموهم كيف يموتون، الله جميل يحب الجمال، خلق الإنسان ليعيش، فإرادة الحياة أقوى من إرادة الموت، هذا ناموس الطبيعة منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا.

لا تستعبدوا الناس بالدين، حرروهم بالإيمان، بالحكمة والموعظة الحسنة، واجعلوا من رمضان شهر الرحمة والبر والتآلف بين الناس، كل الناس، وكل رمضان وأنتم بخير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.