المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

الدين والاغتراب

تم النشر: تم التحديث:

إنني بطبعي متفائل، ومفعم بالأمل في غد مشرق جديد، ولكنني لا أكتمكم سراً إذا ما قلت إن الإحباط ينتابني بين الفينة والأخرى، عندما أرى وأقرأ، أو أسمع أناساً مثقفين ومتعلمين يتحدثون بالدين في مناسبة وغير مناسبة، حتى دخل الدين في كل مرفق من مرافق حياتنا العامة والخاصة، وأطبق على فكرنا وعملنا وشل حركتنا.

وبالرغم من ذلك نرى كثيراً من الناس يدَّعون أن سبب مشاكلنا هو ابتعادنا عن الدين، في حين أن أغلب مشاكلنا، وخاصة السياسية والعامة منها، بدأت عندما فرض الدين علينا بقوة السلاح ومن خلال تقسيم المجتمع على أسس دينية وطائفية.

وما زال الناس يتساءلون عن الأسباب التي أدت بنا إلى الاقتتال الأهلي، وما رافقه من تهجير وتعذيب يندى له جبين الإنسانية، وما رافق ذلك كله من تعطيل للأعمال، وتوقف الإنتاج الصناعي والزراعي، إضافة إلى توقف الخدمات المقدمة إلى المواطنين، كما أصبح أكثر من نصف الشعب من الأميين، نتيجة إهمال التعليم، والكف عن بناء المدارس أو توفير المستلزمات التربوية.

إن الدين قد بدأ بطقوس جماعية، تمارس من أجل إبعاد الشر عن القبيلة أو جلب الخير لها، ثم تطور إلى وضع مبادئ أخلاقية سامية لنشر العدل والصلاح بين الناس، ولكن استغلال رجال الدين وجشعهم دفع بالناس إلى العبودية للبشر وليس للخالق، بحجة أنهم قادرون على منحهم مفاتيح الجنان والسعادة ما بعد الموت، أما في الحياة فالواجب يدفعهم لخدمة أسيادهم من رجال الدين والسياسة والإقطاع، ونتيجة لذلك فقد قامت الثورات المتعددة ضد هذه العبودية.

استطاع الأوروبيون في عصر التنوير التخلص من التزمت الديني، والعمل على إصلاح أحوالهم المعيشية والاجتماعية بعيداً عن سطوة رجال الدين، وعلى عكس ذلك، ونتيجة للجهل السائد، فإننا نشهد في أوطاننا العودة إلى انتشار المفاهيم الدينية المتخلفة، والمستندة على الأسس الطائفية والعشائرية والتعصب الأعمى، فأصبح الدين خليطاً عجيباً من مبادئ مثالية نظرية غير قابلة للتطبيق، ترافقها ممارسات عملية ضارة بالفرد والمجتمع، وأصبحت المبادئ الأخلاقية والدينية السامية مرتبطة بالحجاب والجنس ونبذ الموسيقى والفنون والثقافة العامة.

أما الفساد وسرقة المال العام فإنها تتم باسم الدين؛ لأنها تصب في مصلحة الأحزاب الدينية الحاكمة بدعوى العمل على إعلاء شأن الدين في المجتمع.

وعلى الصعيد الفردي نرى التبرع بالمال الحرام في المناسبات الدينية للتكفير عن ذنوب السارق وخطاياه من نهب قوت الشعب.

وفي مجال الفكر والكلمة، شاعت تسميات ومصطلحات وتنابز بالألقاب كوسيلة للدفاع عن الدين والطائفة، وأصبح للكلمة مفعول قاتل؛ بل إن هنالك دعوات صريحة بالتحريض على القتل.

بمراجعة سريعة لوسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والواتساب نجد ضغائن طائفية عميقة تترك الأثر الكبير في إنكار الآخر ومصادرة آرائه؛ مما أدى إلى تشجيع العنف في حلقة مفرغة ليس لها أول ولا آخر.

إن نشر الأفكار والعقائد هذه باسم الدين قد أصبح ظاهرة اجتماعية عامة وتشكل عقبة أمام الفكر والإبداع والتطور.

إن إشاعة الأفكار المسمومة باسم الدين تمثل واحداً من المظاهر الخطيرة للاستحواذ على فكر الآخر ومصادرته، وإننا بدلاً من التفكير في كيفية الخلاص من هذا المأزق، نتوغل أكثر فأكثر بمستنقع الانقسام الديني والاغتراب. ولا نعرف متى سيعود إلينا الوعي الجمعي؛ لنكف عن الادعاء بالدين والمذهب، ونفكر بطرق عقلانية وعلمية لإصلاح واقعنا المخيف الذي أصبح أقل شأناً من أي قبيلة معزولة في مجاهل إفريقيا أو الأمازون.

إن ما هالني حقاً هو كثرة الدعايات الدينية والبرامج المعروضة في الفضائيات العديدة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحرض الناس على التمسك بالانتماء الطائفي بحجة نشر الدين والدفاع عنه.

إن إعداد مثل هذه الدعايات والبرامج الدينية ومقاطع الفيديو تحتاج إلى أموال طائلة لتغطية نفقات إعدادها بهذه الصور المبهرة، فمَن يقف وراء صرف مثل هذه الأموال الطائلة يا ترى؟ وما هو الهدف منها؟ ومَن هو المستفيد؟ هل فكرتم فيمن يعد مثل هذه البرامج والصور والفيديوهات، قبل أن تقوموا بنشرها مجاناً؟

إن كلمة واحدة منشورة ظاهرها ديني وباطنها تحريضي، تتحول إلى أداة فاعلة لقتل شاب في مقتبل العمر، أو طفل بريء، أو تتسبب في تهجير امرأة ماجدة أو ترملها.

إنني لا أدعو هنا إلى التخلي عن الدين، فأنا من أشد المؤمنين بالله عز وجل، خالق هذا الكون الجميل المتناغم، وفق قوانين غاية في الدقة والروعة، ولكنني ضد استخدام الدين لضرب المجتمع وتمزيقه، وضد استخدام الدين للوصول إلى مآرب مادية أو سياسية مغرضة، مستغلين طيبة الناس أو جهلهم.

إنني لا أدعو هنا إلى فصل الدين عن الدولة فقط، إنما أدعو إلى جعل الدين علاقة بين الإنسان وخالقه، أما الدولة والمجتمع فيجب النهوض بهما بالنظريات الحديثة والتكافل الاجتماعي واعتماد الأسس العلمية والحضارية للبناء والتطور.

إن مجالات العلم والتقدم والحضارة واسعة جداً، وأوسع من الديانات كلها، وبإمكاننا أن نغرف منها ما يفيدنا ويفيد أقراننا ومجتمعنا، وأن نكف عن التقليد الأعمى والانصياع لمطالب الآخرين لتغريبنا، أو أن نكون أدوات مجانية بيد مَن يتآمر علينا؛ ليدفعنا إلى المنزلقات والمتاهات الخطيرة التي وقعنا بها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.