المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

العراق.. من بيرسي كوكس إلى قاسم سليماني

تم النشر: تم التحديث:

بيرسي كوكس، سياسي بريطاني عُين في العراق مندوباً سامياً للمملكة المتحدة في عام 1921، وكان يتمتع بسلطات واسعة في إدارة وتنظيم السياسة العراقية، بعد أن تم الاتفاق على تعيين الملك فيصل الأول ملكاً للعراق.

أما قاسم سليماني فهو جنرال إيراني عُين قائداً لفيلق القدس، هذا الفيلق جزء من الحرس الثوري الإيراني.

وبالرغم من رتبته العسكرية فإنه كان وما زال يمارس كثيراً من الشؤون السياسية في العراق، إضافة إلى واجباته الأخرى في سوريا ولبنان.

هذه المقدمة لا بد منها قبل أن أحدثكم.. فقد سمعت بعض السياسيين يسمون قاسم سليماني بالمندوب السامي الإيراني في العراق؛ للدلالة على تدخلاته الكثيرة في الشؤون العراقية، مشبهين إياه بالمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس.

وفي مقابلة مع نائب سابق في البرلمان صرح بأن العراق لم يعد وطن الجميع، بعد أن منح قاسم سليماني سلطات واسعة في إدارة شؤون العراق، وأن السبب في مطالبة كردستان العراق بالاستقلال يعود بالدرجة الأساس إلى أن القادة السياسيين في العراق يعتمدون على دول الجوار في إدارة السياسة العراقية.

وبالرغم من أن هذا القول فيه كثير من الصحة فإن قاسم سليماني ليس وحده من يتدخل في شؤون العراق، بل إن هناك نفوذاً تركياً وأميركياً كذلك.

رغم أن قاسم سليماني له الباع الطويل في هذا الصدد، وقوله هو الفصل النهائي تقريباً في إدارة السياسة العراقية.

إن هذا القول والانطباع السائد لدى بعض العراقيين هو الذي سيدفع بهم إلى المطالبة بالأقاليم على وفق التقسيم الطائفي، وليس على أسس إدارية أو مقاربات اقتصادية، خصوصاً أن البعض ينظر إلى الموضوع بمنظار التطهير الطائفي، نتيجة بقاء مخيمات اللاجئين رغم تحرير أراضيهم، والمماطلة بإعادتهم بدعوى مكافحة الإرهاب، وهم يعتقدون أن العملية ممنهجة.

إن كون قاسم سليماني يتصرف بالسياسة العراقية كمندوب سامٍ لإيران في العراق لا يبرر مطلقاً التخلي عن مسؤولياتنا تجاه وطن كان وما زال بيتنا الذي يأوينا.

ولو كان كذلك ما بقي العراق عراق الجميع عند مغادرة برسي كوكس له، واستمر آباؤنا في حرصهم على الوطن رغم التدخل البريطاني المقيت في الشؤون العراقية، واستمررنا كذلك على نفس النهج، وسنبقى نعلم أولادنا حب العراق رغم تدخلات الأجانب في حياتنا العامة، وأحياناً الخاصة أيضاً.

ورغم ذلك فإننا نرى في هذه الفترة خطورة حقيقية على وحدة أراضي وسلامة العراق، فالحكومة الاتحادية من الضعف بمكان بحيث إنها لا تستطيع إدارة أي ملف وطني دون أن ترجع إلى دول الجوار، وخصوصاً إيران وتركيا.

وهذا ما وجدناه عند أول تهديد؛ حيث سعت الحكومة إلى تركيا وإيران للدفاع عن وحدة العراق بعد استفتاء إقليم كردستان.

إن الموضوع لا يتعلق بقوة الجيش فقط رغم أن وحدة عمل القوات المسلحة من أبجديات الدفاع عن الوطن.

ونحن نعيش ازدواجية العمل العسكري بين مراكز قوى متعددة كميليشيات الأحزاب الحاكمة، وميليشيات ترتبط بقاسم سليماني مباشرة، إضافة إلى ميليشيات تدعي انتسابها إلى جهات رسمية وهي خارجة على القانون.

وهناك إعلام مخرّب أيضاً، فبعض الفضائيات قد أضرت كثيراً بوحدة الشعور الوطني العراقي، من خلال التحشيد الطائفي الذي أصبح بديلاً عن الوطنية العراقية.

أما على المستوى السياسي فإن التحالفات الطائفية قد مزقت وحدة القرار العراقي.

إن الحكومة الاتحادية ليس لها أي استقلالية في اتخاذ القرارات، ولذلك نرى التجاوز عليها بصورة مستمرة من قِبَل دول الجوار وحتى من أطراف العملية السياسية.

ومن هنا جاء اتهامها بأنها تخضع لقرارات قاسم سليماني أو غيره.

إذا ما بقي الوضع على ما هو عليه، فإن مسيرة الدولة أو ما يسمى بالعملية السياسية ستتوقف عاجلاً أم آجلاً، وهذا ليس رأياً شخصياً، وإنما منطق التاريخ والوقائع التي نعيشها جميعاً.

كيف سيتم التفاوض مع إقليم كردستان؟ هل من قِبَل التحالف الوطني أم من قِبَل حزب الدعوة الذي يدير الدولة منذ أكثر من أربعة عشر عاماً؟ وما بال الأحزاب الأخرى أو الطوائف الأخرى، أو حتى الأديان الأخرى صاحبة العلاقة لتواجدهم في المناطق التي سميت بالمتنازع عليها؟ وهم أصحاب الأرض الأصليون وليسوا الطارئين الجدد والقدامى، مثل هذه المشاكل السياسية هي التي ستطيح بالدولة العراقية أو ما تبقى منها بحيث لم يبقَ أي مجال لإصلاح العملية السياسية، فالدولة آيلة للسقوط.

وإن السيد حيدر العبادي ربما سيكون غورباتشوف العراق لا سمح الله، ولتجنب ذلك فإننا بحاجة إلى إبعاد كل الطبقة السياسية الحاكمة من الفاسدين والانتهازيين والخونة، عن طريق حل مجلس النواب، وإقالة الحكومة، وبسط الأمن والنظام، وإعادة النازحين وتطبيع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم الإعداد لانتخابات نزيهة لا يشارك فيها أي عنصر من هذه العناصر الفاسدة التي حوَّلت العراق إلى ساحة للاحتراب والانتقام وتصفية الحسابات الإقليمية والمحلية.

كما لا يشارك فيها دعاة الاستقلال والتقسيم أو دعاة الأقاليم الطائفية المقيتة.

وأخيراً أقول لكم: حقاً إن قاسم سليماني يعتبر اليوم المندوب السامي في العراق مثله مثل برسي كوكس.

ولكن ذلك يجب ألا يثنينا عن العمل صفاً واحداً من أجل وحدة العراق، وتحقيق حكومة وطنية مستقلة، تصدر قراراتها باسم الشعب العراقي، بعيدة عن كل الإملاءات المشبوهة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.