المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

خطأ بارزاني وأخطاء بغداد

تم النشر: تم التحديث:

قبل كل شيء أود أن أقول لكم إن الإيمان بوحدة العراق لا يمكن المساومة عليه تحت أي ظرف كان.

ولكن هذا الذي يجري في العراق يقع خارج نطاق الأمنيات.

إن محاولة الكرد الاستقلال عن العراق لا يمكن أن يحقق أي مصلحة للشعب العراقي وعلى الأخص شعبنا الكردي، ولكن بارزاني حاول استثمار الوضع المتردي الذي يعيشه العراق لفرض شروطه على الحكومة الاتحادية. لماذا؟ لأن العراقيين العرب قد انخدعوا بالدعوات الطائفية وتقاتلوا من أجل أطماع إقليمية إيرانية وسعودية وغيرها من الأطماع والمؤامرات الدولية، وتركوا وحدة البلاد في مهب الريح.

لقد بدأت التفرقة ابتداء في تشكيل التحالف الشيعي الكردي لإدارة السلطة فأين ذهب هذا التحالف؟

الكل يعلم أن التحالف الوطني العراقي يمثل الكتلة الأكبر في السلطة والبرلمان، وقد ساهم هذا التحالف مساهمةً فعالةً في وضع الدستور وإقراره بالاستفتاء العام وبعد سيطرة حزب الدعوة على الحكم تنصلت الحكومة الاتحادية من تطبيق فقرات مهمة من الدستور، فالمادة 140 لم يجرِ تنفيذها، والمجلس الاتحادي لم يتم تشكيله، وكذلك مجلس الخدمة الاتحادي الذي أرادوه أن يكون على وفق المحاصصة، وهيئة الإعلام ألحقت بالحكومة على خلاف ما نص عليه الدستور في ارتباطها بمجلس الشعب.

وكنتيجة لفوزهم بأغلبية مقاعد البرلمان في الانتخابات تقاسموا مناصب الدولة مع السنّة الموالين لهم واستبعدوا السنّة والشيعة من ذوي الاتجاه العربي، وتركوا الكرد ليفعلوا ما يشاءون مقابل سكوتهم على تفرّدهم بالسلطة.

فأصبحت كركوك بعيدةً عن الحكومة المركزية، ولم يتخذوا أي قرار بشأنها، ثم تركوا إدارتها بيد الكرد فتم إجراء تغيير ديموغرافي لصالح الكرد فيها، وهم ساكتون، والسكوت من علامة الرضا.

وانتهت رئاسة بارزاني ولم يحرك أحد في الحكومة الاتحادية ساكناً، وكأنهم راضون عن هذا الذي يجري في العراق، وفي منطقة الحكم الذاتي.

ثم استحوذ الكرد على النفط في كركوك وفي كردستان ولم يصدر قانون النفط والغاز، وعطل برلمان الإقليم لمدة تقارب السنتين ولم يتحرك أحد من الحكومة الاتحادية أو البرلمان الاتحادي.

سيطر الكرد على الحدود والمنافذ الحدودية في كردستان والجميع نيام، سلم المالكي مدناً عديدة إلى الدواعش، وتأخر قرار تحريرها، في حين حرر الكرد في وقت مبكر أراضي من يد داعش وضموها إلى الإقليم، والحكومة الاتحادية لم تحرك ساكناً، ولم تعترض، وكأن الأمر مرسوم على هذه الكيفية.

ومجلس النواب صار أداةً طيّعة لكبار المتنفذين في الحكومة الاتحادية فتعذر اتخاذ أي قرار أو تشريع في البرلمان إلا بعد أخذ موافقتهم، فتسبب في سكوت البرلمان عن كل ما يجري في إقليم كردستان من تجاوز على الحكومة الاتحادية، وفي الاستمرار في منح الإقليم نسبة عالية من الموازنة، وكذلك في تعيين كبار موظفي الدولة والسكوت عن مخالفاتهم.

الآن وبعد أن تم الاستفتاء على استقلال كردستان ولغرض التمويه على سكوتهم وتآمرهم لشق وحدة الصف العراقي، تحرك بعض الحزبيين والمسؤولين في الحكومة الاتحادية ونواب في البرلمان وأخذوا يهددون الكرد الآن بالقتال والويل والثبور، وهم مَن سلم الأمور كلها بأيدي قادتهم من خلال المحاصصة تارةً، أو سكوتهم مقابل فسادهم اللامحدود تارةً أخرى.

وهناك مَن طالب باجتماع رجال الدين السنّة والشيعة لدراسة موضوع استقلال كردستان، ولم يجتمعوا يوماً لإيقاف التحريض الطائفي الذي أدى إلى انقسام المجتمع العراقي ومهَّد الطريق لتنفيذ مؤامرة تمزيق وحدة العراق أرضاً وشعباً.

وأحد نواب دولة القانون يطالب بإرسال الجيش إلى منطقة الحكم الذاتي للحفاظ على هيبة الدولة، وهو يعلم جيداً بأنهم ضيعوا الدولة كلها، وفرطوا بالوطن نتيجة تحالفاتهم الطائفية المشبوهة وسلوكهم المنحرف والفاسد، أي دولة هذه والميليشيات الحزبية تبتز المواطنين في وضح النهار ورجال حماية المسؤولين يسطون على فروع المصارف وسرقة المحلات واختطاف المواطنين.. أليست هذه الدولة من سمحت لبارزاني إجراء الاستفتاء على الاستقلال.

وأخيراً نقول إن مسعود بارزاني لم يقم لوحده في الدعوة لتقسيم العراق، بل إن هناك مَن سهّل له هذا القرار.. وبارزاني يعرف أن حكام بغداد الجدد هم أناس تافهون لا يقيمون وزناً لخلق أو دين، فكيف يدعون حرصاً على وطن وهم أول مَن فرّط به نتيجة أعمالهم المعادية لكل ما هو وطني ومخلص من أبناء الشعب الغيارى، وعملوا تخريباً بالدولة والمجتمع وطوائفه وقومياته وغدروا بكل وطني أو عراقي شريف من كل الطوائف والإثنيات من خلال تحالفاتهم الطائفية المشبوهة الشيعية والسنية على حد سواء.

ولكننا نعتقد أن بارزاني قد أخطأ كثيراً في إصراره على الاستقلال وتركه التعامل مع وطن جمعنا معاً، وأخطأ بحق الكرد إذ لم يقِم وزناً للمخاطر الكبيرة التي تنتظرهم وهم إخوة لنا في السراء والضراء، وجرى عليهم ما جرى علينا من ويلات ونوائب نتيجة عَتَه حكام مهووسين بكراسي زائلة لم تدُم لأحد كما لن تدوم لمسعود بارزاني أيضاً.

إن عملية الاستفتاء تمثل إنذاراً خطيراً لكل من له شعور وطني ويسعى للحفاظ على وحدة العراق، مما يتطلب منا جميعاً الضغط وبكل الوسائل على المتصدين للعملية السياسية للكف عن تشكيل تحالفات طائفية تفرق بين أبناء الوطن الواحد.

إننا الآن أحوج من أي وقت مضى لترسيخ الوحدة الوطنية وتهدئة النفوس مع تغليب لغة الحوار المتمدن الصادق لتجاوز هذه المحنة والعمل على تعديل الدستور، والبدء بعملية سياسية تقوم على أساس المواطنة، وليس على أساس التحالفات العنصرية والطائفية عسى أن نستطيع إيقاف الصدام بين أبناء الشعب الواحد، ونوقف نزيف الدم الجاري منذ عقود.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.