المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

الكاتب وحدود الحرية

تم النشر: تم التحديث:

نقصد بالكاتب هنا كاتب المقال، وليس الصحفي، حيث إن الأخير ينقل الخبر والحدث كما هو على أرض الواقع، ويتَّسم بالحيادية. أما الكاتب فإنه لا ينقل الأخبار أو الأحداث، إنما يعلق عليها.
وهنا، لا يمكننا أن نطالب الكاتب بالحيادية، لأنه ليس ناقلاً للأخبار، وإنما هو محلل لها ومعلق عليها، مع بيان رأيه وتوقعاته إن وُجدت. وإذا كان كذلك فهل يحق له أن يقول ما يشاء بحرية مطلقة، أم أن هناك ضوابط ومحددات.

إننا نجد في كثير من الأحيان كُتاباً يكتبون ما يشاؤون، خصوصاً بعد التطور التكنولوجي في مجال الميديا أو وسائل الإعلام المتعددة، وهناك فسحة من الحرية في الكتابة لمسناها في السنوات الأخيرة في مجتمعاتنا.

إن إعطاء الحرية للكاتب في أن يكتب ما يشاء لا تعني الحرية المطلقة، أو التّزمت في الرأي، على اعتبار أن رأيه هو عين الصواب، ورأي غيره مجانباً له.. لقد قيل إن حرية الفرد تنتهي عند بدء حرية الآخرين، وهذا ما يجب أن يطبق على الكاتب، بمعنى أنه يستطيع بيان رأيه دون أن يفرضه على الآخر، أو يسفِّه الرأي المقابل، لا بل إن الواجب الأخلاقي والأدبي يُحتم عليه إعطاء فسحة للآخر، ليعبر عن وجهة نظره أو مخالفة رأيه.

أكتب هذا بعد أن وجدتُ أن هناك صراعات خفيه، قد امتدت لوقت ليس بالقصير بين الكتاب والمثقفين، وبدلاً من أن يسهم المثقف بتنوير عقول وأفكار المواطنين، فإنه يحرِّضهم على التَّزمت والتعصب.

إننا نعيش في مجتمعاتنا العربية في أزمات مذهبية ودينية وإثنية، وقد انعكست هذه الأزمات على الكاتب والمثقف عندنا، فنجده يتطرف هو الآخر، ويتحزَّب إلى دينه أو قوميته بطريقة وأسلوب متعصب لا يخلو من العنصرية والاستعلاء على من يخالفه الرأي، كما أن كثيراً من الكتاب يستعينون بأطروحات تاريخية بالية ومتحجرة، ليؤكدوا فيها وجهة نظرهم، ومصادرة الرأي الآخر. بالإضافة إلى أن هناك من يتحيز إلى دولة ما على حساب انتمائه الوطني للدولة التي آوته ويعيش في كنفها، وفيها مستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده.

ونجد أحياناً في موقع ثقافي واحد حوارات ونقاشات متشنجة، وتتسم بالمذهبية والإثنية على حساب الموضوعية، وكل طرف يفند الآخر بطريقة غير حضارية، تنعدم فيها أحياناً أخلاقيات الحوار أو آداب النقاش، وتشم منها رائحة التعصب الذي لا يليق بالمثقف في هذا العصر المفعم بالتطور العلمي والثقافي. ولم يعد أحدهم يطيق الآخر نتيجة إصراره على صحة رأيه على حساب الرأي الآخر، حتى أصبح لا يستطيع التواصل إلا مع الذين يتماهون مع فكره وتحزّبه الضيق، وقد تسبَّبت هذه الظاهرة في القطيعة بين بعض الكتاب، وهم على مستوى من الثقافة يفرض عليهم أن يكونوا بعيدين ومنزَّهين عن مثل هذا السلوك المتخلف.

إن بإمكان الكاتب التعبير عن رأيه بشكل واضح وجلي، بعيداً عن الهمز واللمز الذي يحرج المقابل أو يسفه رأيه.. إننا لا نطالب هنا بحيادية الكاتب، بل إن الكاتب ملزم بالتعبير عن وجهة نظره تجاه الأحداث والأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية، دون تأثير أو تسلط من أية جهة كانت، ولكننا نطالب الكاتب باحترام القارئ وعدم استفزازه، حيث إن التطرف في كل أشكاله معادٍ للإنسانية، وللفكر المتحضر ولحرية الإرادة. فما بالك بالتطرف بالأديان والمذاهب، ونحن على فوهة بركان من الحروب الإقليمية والداخلية، بالنيابة وبالمباشرة.

إن إطلاق النعوت وجلب الأمثلة واجترار الماضي لن يفيدنا بشيء، إنه يزيد من تعصب المقابل تجاهنا، ويستفزه، مما يدفعه إلى العدوانية، حيث يتجاوز أحياناً على قواعد اللياقة والخلق السليم في الكتابة. أو ينزوي ويتكتل مع من هم على شاكلته في الدين والمذهب والرأي.

إننا نرغب في مشاهدة كُتاب على مستوى عالٍ من الثقافة والتحضر، منزهين ومترفعين عن صغائر الأمور، ويتصفون بسعة الأفق وروح التسامح، تبعدهم عن التحزب المذهبي أو الإثني الضيق. وفي الوقت الذي نطالب فيه مجتمعنا بنبذ التطرف والغلو فإننا نمارسه يومياً عبر كتاباتنا.
إننا يجب أن نكون قدوة للمواطن الذي لم ينل حظه من التعليم والثقافة، لا أن ندفعه أكثر إلى التزمّت والتطرف ونكران الآخر ومصادرة رأيه، لأننا في هذه الحالة سنكون كمن يشاهد نفسه في المرآة، ونعدم التنوع الثقافي والقومي والحضاري بألوانه المختلفة.

كما يتوجب علينا أن نخرج من تقوقعنا وننفتح على آفاق أدبية وعلمية وفنية عالمية، بعيدة عن التفاصيل العقائدية المحلية الضيقة، وأن نتفهم الآخر ونحثه على السمو والترفع عن التطرف والتعصب مهما كان شكله، لننعم بالأمن والسلام، وهذا هو واجب الكاتب والمثقف تجاه مجتمعه ومحيطه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.