المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

ما بعد داعش جاء مبكراً

تم النشر: تم التحديث:

كشف احتلال داعش أراضي عراقية عام 2014 هشاشة نظام الحكم في العراق، وضعف التحالفات الإثنية والطائفية التي لم تستطع خلال السنوات السابقة إنشاء دولة حديثة؛ بل العكس هو الصحيح، حيث نهش الفساد وضعف وطنية القائمين على الحكم ما تبقى من الدولة التي فككها الاحتلال الأميركي عام 2003، كما أن ذلك كان سبباً لتشجيع الأطماع الإقليمية المحيطة بالعراق للتدخل في شؤونه الداخلية فزاد الطين بلة.. والآن بعد أن قاربت حرب داعش على الانتهاء أدركت التحالفات الشيعية والسنية والكردية عظم المخاطر المقبلة، فأخذت تعد العدة للحرب القادمة بينهم قبل الحسم النهائي للمعركة مع العدو المشترك داعش.

إن الأحداث قد سارت بشكل متسارع، خصوصاً بعد تعاظم الدور الأميركي في العراق، والذي بدأ بزيادة قواته أولاً، ثم توسيع قواعده العسكرية في الرمادي والموصل وصلاح الدين والتحظيرات الحالية لتشكيل إقليم الأنبار، الذي سيكون أول إقليم معلن بعد الانتهاء من طرد داعش، حيث تم اجتماع طاقم الرئيس الأميركي والكونغرس مع شخصيات من هذه المحافظة للتهيؤ لهذا الإقليم، والآفاق المستقبلية له.. وجرى على نطاق واسع الانتشار الأميركي في صحراء الأنبار، وعلى الحدود العراقية السورية-الأردنية. ولهذا الوجود أهداف بعيدة المدى تؤكد استمرار الوجود الأميركي في العراق لأجل غير مسمى.. وتأتي هذه التحركات كجزء من مخطط أميركي للعراق لما بعد داعش.

لقد أدرك الكرد مبكراً جسامة المشكلات التي ستتعرض لها المدن التي كانت تحت سطوة العدو الغاشم داعش، وخصوصاً الموصل وسنجار وسهل نينوى، فاستبَقوا الأحداث بفتح جبهة مع الحكومة المركزية في محافظة كركوك؛ لتثبيت ما يعتقدونه من حقهم في إدارة المناطق المتنازع عليها في الموصل وديالى وكركوك. وقد بدأت هذه المعركة في كركوك عندما تم رفع علم كردستان على المباني بقرار من مجلس المحافظة؛ ما أثار حفيظة الإدارة المركزية في بغداد ومجلس النواب والتحالفات الشيعية والسنية لمواجهة هذا الخطر المحدق أمامهم في احتمال انسلاخ محافظة كركوك عن الحكومة الاتحادية، نتيجة ضعف هذه الحكومة، وهشاشة التحالفات المنضوية تحتها..

ثم جرى بعد ذلك اتفاق الاتحاد الوطني الكردستاني مع الحزب الديمقراطي الكردستاني على التحضير لاستفتاء استقلال كردستان. رغم أن التحالف الوطني الشيعي كان يعتقد أن الاتحاد الوطني الكردستاني سيكون حليفاً له في المرحلة المقبلة.

إن التحالف الوطني، شأنه شأن اتحاد القوى السُنية، يعاني التشرذم والانشقاقات.. وقد حاول رئيسه لملمة أطرافه، وتقديم مقترحات بائسة للتسوية التاريخية مع السنة والكرد. إلا أن جهوده باءت بالفشل.

كما أن اتحاد القوى السنية انشطر إلى عدة جهات، خصوصاً بعد فضيحة استجواب وزير الدفاع السابق. أما الحزب الإسلامي الذي كان منضوياً تحته، فيبدو أنه انحاز إلى ائتلاف دولة القانون، الذي يحاول الاستحواذ على الحكومة القادمة تحت شعار حكم الأغلبية، ويعد العدة منذ الآن لتشكيل مفوضية انتخابات موالية له؛ ليستطيع من خلالها تزوير الانتخابات القادمة، والحصول على أغلبية المقاعد في مجلس النواب، مثلما حصل في الانتخابات الماضية، في وقت يناكفه الإخوة الأعداء في التيار الصدري، ويقفون له بالمرصاد.

ومن جهة أخرى، تم طرح مشاريع لحل الحشد الشعبي، قبل انتهاء العمليات العسكرية في الموصل؛ لتكون هناك قوة عسكرية واحدة للدولة، وهذا هو استباق آخر لمرحلة ما بعد داعش.

إن هشاشة التحالفات الشيعية السنية الكردية قد تسببت في إضعاف الدولة التي تُدار من قِبل عناصر تدّعي تمثيلها للطوائف والإثنيات في العراق، إلا أن الشعب بفئاته كافة قد نبذ هذه القيادات التي لم تعد تمثله، لا؛ بل جلبت الدمار والبلاء للبلاد والعباد، نتيجة الإصرار على تخندُقاتها الطائفية. إنها فرصة مناسبة جداً للقيادات الكوردية في الحصول على مكاسب قبل بدء الصراع الفعلي على الأرض والنفط، وخيرات العراق الأخرى.

إن التحالف الوطني الذي يشكل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، ويرأس مجلس الوزراء، ما زال مصراً على التمسك بالتقسيم الطائفي والإثني للمجتمع العراقي، كبديل عن الوطنية العراقية. شأنه شأن اتحاد القوى السنية. وهو يعلم جيداً أنه لم ينجح في إدارة الدولة وفق هذا المنظور. كما أن سلوكه هذا سيؤدي إلى إنشاء أقاليم في كل مناطق العراق، قد تتحول في وقت لاحق إلى دويلات متصارعة.

ولذلك، فإننا نشكُّ في قدرة هذه الأحزاب المتخلفة على تدارك سقوطها، أو أن تحل مشكلاتها بطريقة حضارية وعقلانية. وهذا راجع إلى جهل قيادات هذه الأحزاب، وأميتها السياسية.

إن الأمل معقود على نخب وطنية جديدة تبرز من خلال انتخابات نزيهة.. أو من خلال عملية قيصرية تنهي كل أوجه الفساد والإدارة السيئة للدولة.. وبعكسه، فان أمراً واقعاً سيتم فرضه من قِبل توافقات الدول الفاعلة.. وسنعود إلى مرحلة الانتداب، ومن الدرجة "ب" هذه المرة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.