المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

محنة الكاتب في الزمن الرديء

تم النشر: تم التحديث:

الكتابة ليست ترفاً.. إنها حاجة للكاتب وللقارئ. فالكاتب يريد أن يقول شيئاً محبوساً في صدره، والقارئ يحتاج إلى من يشرح ويفسر له الأسئلة التي تدور في ذهنه، سواء كانت فلسفية أو معيشية، ويريد أن يرى ما الذي يجري من حوله، ولماذا، مَن الضحية ومَن المستفيد.

أسئلة غامضة كثيرة تدور في مخيلتنا جميعاً.. والكتابة المجتمعية -إن صح التعبير- هي عملية فكرية معقدة تهدف إلى نشر فكرة أو إجابة سؤال، أو التحريض على واقع أليم لا يمكن السكوت عنه.

ومن هنا، تصبح الكتابة أحياناً محنة عندما يريد الكاتب أن يقول شيئاً ولا يستطيع أن يوصله إلى القارئ لسبب أو لآخر.. وإننا عندما نرى واقعنا المرير، ونرى طغمة حاكمة مترَفة يقابلها جموع من الناس لا حول ولا قوة لهم، فإن الكتابة تصبح حاجة أساسية وضرورية لإنقاذ مايمكن إنقاذه، أو على الأقل نقد وضع قائم على الظلم والجوع.

إننا لا نكتب لأنفسنا، ولا نكتب لنخبة معينة، إننا نكتب للشارع، للناس، لأولئك الذين يعانون الخراب والجوع والقهر والحرمان. ونحن لا نكتب من أجل المال، ولا نحن مرتزقة، نحن نكتب لتصحيح وضع خاطئ أو فكر متخلف أو فضح مسؤول فاسد أو شعارات زائفة، نحن نكتب لأجل الإنسانية المهانة في بلادنا.

ومن الطبيعي أننا بحاجة إلى مساحة من الحرية لنشر ما نريد قوله. وبذلك، فإن المسؤولية تقع على الكاتب وعلى الناشر أيضاً. ولكنني عندما أرغب في الكتابة حول موضوع أجده حيوياً ومهماً أصطدم بمجموعة من التابوهات والمحرمات ورموز يعتبرونها مقدسة وهي في الحقيقة شخصيات تلعب بالبيضة والحجر.

لنتحدث بتفصيل أكثر.. فأنا إذا كتبت عن "التحالف الوطني"، مثلاً، فإن المواقع الإعلامية والصحفية التابعة لهذا التحالف أو التي تعتاش عليه لا تنشر ما أكتبه لأنها تعتبره مناقضاً لمسلكها. وكذلك، "اتحاد القوى" له مواقع صحفية كثيرة، وإذا ما تحدثتُ عن فساد أحد قياديه فإنه يقاطعني ويعتبرني من الطرف الآخر.. اما إذا كتبت في الوقت نفسه عن "التحالف الوطني" و"اتحاد القوى" و"الاتحاد الكردستاني"، فإن جميع المواقع لا تنشر لي، اللهم إلا 3 أو 4 مواقع من بين عشرات أو مئات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية.

أما إذا انتقدت "الحشد الشعبي"، فإن هذا هو الكفر بعينه؛ لأنه مقدس. ولا أعلم لماذا أصبح مقدساً وهو دعوة للجهاد الكفائي ينتهي بانتهاء هذه الدعوة، وفق الشريعة التي صدرت الدعوة بموجبها.

هل يتوجب علينا الانحياز إلى طائفة معينة أو كتلة سياسية حتى نكون مقبولين.. إنهم يفرضون علينا الفكر الديني أو المذهبي؛ حتى نكتب ضد الطائفة الثانية، وهكذا.. وكلما زادت التخندقات زادت محنة الكاتب.

إن كثيراً من المتصدين للعملية السياسية عندنا لهم صفة دينية. وإذا ما أردنا انتقادهم، فإن ذلك سينسحب إلى دين وعقيدة أو مذهب هذا المتدين.

إن رجل الدين إذا ما عمل بالسياسة فعليه تقبُّل النقد، حاله حال أي شخص سياسي عادي. ولا حصانة أو قدسية له في هذا المجال.. إنهم يخلطون الدين مع السياسة؛ بل مع حياتنا الشخصية أيضاً؛ كيف نأكل ونلبس، وماذا يجب أن نقول وما يجب ألا يقال.. إنهم يعلّموننا كيف نموت وماذا بعد الموت، ولا يعلموننا كيف نعيش أو كيف نربي أطفالنا وفق مبادئ العدل والمساواة والعلم.

بل يفرضون علينا طقوساً يجب ممارستها لتسهل مهمتهم في السيطرة التامة على عقولنا. يأكلون السحت الحرام باسم الدين، وما عليك الا السكوت؛ لأنهم رموز دينية لا يمكن المساس بها.. وقديماً قالوا: أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر. فلماذا لا نفرق نحن الآن في هذا الزمن الرديء بين ما هو لله وما هو للدولة أو للشعب؟! ولماذا اختلطت أموال بيت المال أو أموال الدولة مع أموال رجال الدين وأتباعهم، وأصبحت كلها في جيوبهم؟! إنه العبث بالدين وبالسياسة معاً.

الكتابة فن هادف وأخلاق حميدة... وإن من واجبنا احترام المسؤول السياسي ورجال الدين إذا كانوا ملتزمين بالقواعد المتعارف عليها في السياسة والدين وإذا كانوا يتصفون بالنزاهة والشفافية.. أما أن يقوم رجل السياسة ورجل الدين بالسرقة ونسكت عنه لأنه من الرموز المقدسة فهذا كثير جداً. وهكذا أصبح الحال مع الأحزاب والتحالفات الحاكمة وميليشياتها ورؤسائها.

ومن هنا، أقول لهم: لا أحد مقدس وهو يعبث بحياتي ومستقبلي، ومستقبل أولادي وسأرفض كل دعوة دينية أو مذهبية تصادر حريتي. وتحرمني من أبسط المبادئ الإنسانية؛ وهي حرية الكلمة.. ولهم أن ينشروا كتاباتي أو لا ينشروها. طز فيهم لأنني سأكون وفيّاً دائماً للكلمة الصادقة الهادفة، وسأكون وفيّاً لكل أولئك المذَلين المهانين من أبناء وطني باسم الدين أو المذهب أو المقدسات الزائفة... وسأكتب وأكتب حتى أجردهم من كل عباءات الدين والمقدسات المزيفة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.