المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أدهم حجاج Headshot

فبركة الأخبار.. كيف تجني آلاف الدولارات باستغلال الآخرين؟

تم النشر: تم التحديث:

سلَّطت الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة الضوء على ظاهرة الأخبار المفبركة، تلك الأخبار التي يختلقها مجموعة من الأفراد لتأييد مواقفهم أو الهجوم على خصومهم، وينشرونها على منصات التواصل الاجتماعي، وتحقق انتشاراً كبيراً بسبب طبيعة عمل تلك المنصات.

أخبار مثل دعم بابا الفاتيكان للمرشح الجمهوري دونالد ترامب -الفائز بانتخابات الرئاسة- أو بمقتل قيادي في الحزب الديمقراطي بعد الاتفاق على أن يشهد ضد هيلاري كلينتون، أو أن بيل كلينتون اغتصب طفلة في الثالثة عشرة من عمرها انتشرت بشكل واسع جداً بسبب طبيعة منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها الفيسبوك والخوارزميات التي يعتمد عليها، والتي تعطي الأولوية للتفاعل؛ لذلك تنتشر الأخبار التي تلقى تفاعلاً كبيراً بغض النظر عن صحتها.

من ضمن ما قرأت بخصوص هذا الموضوع كان حواراً مع شخص يمتلك صفحة على الفيسبوك تنشر أخباراً مفبركة مؤيدة لترامب، يعترف الرجل بوضوح بأنه كان يلفق أي أخبار، يقول إنه كان يستيقظ من النوم ليتفحص الأرقام الخاصة بصفحته ويجد أن التفاعل يحتاج لدفعة فيجلس ليؤلِّف قصة تهاجم أوباما وكيف سيحطمه ترامب ويضع لها عنواناً غاضباً ثم يسترخي في مقعده، وفي غضون ساعة يكون الخبر انتشر بشكل واسع بين مؤيدي ترامب وأرقام صفحته ارتفعت للسماء.

ماذا يستفيد من ذلك؟
طبعاً كل هذا تتم ترجمته لدولارات، تفاعل أكبر وانتشار أوسع يترجم لدولارات أكثر.

الطريف أن العديد من المواقع والصفحات التي تنشر أخباراً كاذبة لأشخاص غير أميركيين، فالكثير من أصحاب هذه الصفحات من دول أوروبية فقيرة مثل جورجيا ومقدونيا، ولكنهم وجدوا فيها وسيلة سهلة لكسب آلاف الدولارات على حساب القراء غير المدققين أو الذين يصدقون أي أخبار تؤيد معتقداتهم وانحيازاتهم المسبقة، حتى وإن كان من الواضح عدم صحتها.

جريدة نيويورك تايمز تحدثت عن أحد هؤلاء، طالب جورجي على وشك التخرج، ولكنه لا يملك الكثير من المال، فقرر إنشاء موقع يشبع نهم اليمين المتطرف الأميركي للأخبار الكاذبة، الأمر مربح فعلاً، فالطالب أصبح يجني ما بين 5 إلى 10 آلاف دولار شهرياً من الإعلانات والدعاية.

(باز فييد Buzzfeed) في تقريرها عن الأخبار الكاذبة والمفبركة قالت إن أصحاب تلك المواقع يحققون ربحاً قد يصل إلى 10 آلاف دولار شهرياً من الإعلانات.

كما ذكر التقرير أن الكثير من المراهقين المقدونيين يستغلون سذاجة الأميركيين لجني آلاف الدولارات شهرياً عن طريق إنشاء مواقع تنشر الأخبار الكاذبة التي تروق لجمهور اليمين المحافظ في أميركا، أحد هؤلاء المراهقين قال إنه يعرف أن معظم الأخبار على هذه المواقع والصفحات مفبركة، وكاذبة، وسيئة، ولكن القاعدة أنه ما دامت تلك الأخبار تجلب المزيد من "الكليكات" فعليك استخدامها.

الطرف الثاني في المعادلة هو الجمهور المستقبل للأخبار الملفقة، في أحيان كثيرة يكون المتلقي مصدقاً لهذه الأخبار؛ لأنه من الأساس مهيَّأ ذهنياً لذلك.

يكون هذا الشخص قد عزل نفسه وأفكاره وانحيازاته في فقاعة ضيقة جداً من الأفكار والرؤى وحتى الدوائر الإنسانية؛ لذلك يكون مستقبلاً ممتازاً لأي خبر ملفق يؤيد وجهة نظره أو يفرغ قدراً من غضبه وحنقه الذي قد يكون نابعاً من شيء بعيد تماماً عن موضوع الخبر.

قد تظن أنك محصَّن من الوقوع في شَرَك تصديق الأخبار المفبركة، قد تستغرب كذلك من هؤلاء الذين يصدقون أحد الأمثلة التي ذكرناها في بداية التدوينة.. توقف عن مواصلة قراءة هذه التدوينة لدقائق لتراجع فيها ما شاركته أو أعجبت به من أخبار خلال الأسبوع الماضي على الفيسبوك.

على سبيل المثال، فقد انتشر منذ فترة خبر صادم بسرعة كبيرة وبشكل واسع على الفيسبوك، الخبر مفاده أنه تم نقل كلبة في حالة سيئة للغاية لإحدى العيادات البيطرية بعدما تعرضت للاغتصاب المتكرر من ثلاث شباب.
الخبر كما هو متوقع التقطته صفحات الفيسبوك ونشرته دون أي مراجعة أو تدقيق؛ ليحقق آلاف المشاركات خلال أيام قليلة وتتم إضافة بعض "التحابيش" له كل يوم لضمان ارتفاع مستوى التفاعل.

ردود فعل الجمهور المستقبل للخبر كانت متوقعة جداً أيضاً.. الخبر لم يلقَ أي تحقيق أو مراجعة من مستقبليه بل شاركوه مع تعليقات مبنية على قناعات مسبقة ومنبثقة من أيديولوجية المستقبل، الجمهور الليبرالي والعلماني قال لك "شُفتوا الإسلام وصلنا لفين بالكبت الجنسي اللي بيتسبب فيه"، وبعض جمهور الإسلاميين شارك الخبر متحسراً على حال المجتمع وما آل إليه في ظل الابتعاد عن تعاليم الإسلام.

اللافت في الأمر أن القليل جداً من الناس هم من تناولوا الموضوع بمنطق علمي، وتساءلوا عن مدى صحة الخبر وعن مصدره وعن إمكانية حدوث الأمر علمياً.

أكثر من طبيب بيطري خرج بتعليقات علمية تؤكد استحالة حدوث هذه الواقعة علمياً، وشرحوا الأمر من وجهة نظر الأحياء والطب البيطري.

وبعدها ظهر خبر ثانٍ يقول إن الكلبة اغتصبت بالفعل، ولكن من الكلاب الضالة في الشارع، الخبر منسوب لمن نقلت الكلبة للعيادة البيطرية في البداية ولمن باشر حالتها، طبعاً هذا الخبر غير مثير مثل الخبر الأول، ولن يحقق نفس نسب التفاعل، وفعلاً لم يحقق عُشر انتشار الخبر الأول.

وطبعاً لم تنشر أي من الصفحات أو مستخدمي الفيسبوك الذين نشروا وعلَّقوا على الخبر الأول أي شيء يتعارض ووجهة نظرهم المبنية على معطيات من الواضح أنها لم تكن صحيحة.

الاهتمام بمسألة الأخبار المفبركة ازداد بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية خاصة، وقد اتهم الكثير من المحللين منصات التواصل الاجتماعي بأنها كانت سبباً رئيسياً في فوز ترامب بعد كَمّ كبير من الأخبار الكاذبة المؤيدة لترامب، التي تتعرض لهيلاري كلينتون بالإساءات التي ساهمت منصات التواصل الاجتماعي على انتشارها بشكل واسع.

في البداية قلل مارك زوكربيرغ من الأمر ومن تأثير الفيسبوك في انتشار الأخبار الكاذبة، لكنه عاد ومعه جوجل، وأعلنوا أنهم سيتخذون خطوات هدفها الحد من ظاهرة الأخبار الملفقة من خلال منع الإعلانات عن تلك الأخبار.

لكن علينا نحن أيضاً كمستقبلين لتلك الأخبار مسئولية كبيرة، فتلك الأخبار لا تنتشر من نفسها، بل بسبب تفاعل المستقبلين معها وتصديقهم لها دون أي تدقيق فيها.

ربما تساعدك النصائح الآتية في محاولة كشف الأخبار الكاذبة وعدم مشاركتها والمساهمة في انتشارها:

1- لا تصدق كل ما تقرأ أو تسمع، لا تبِع دماغك لأحد، سواء كان شخصاً أو موقعاً أو صفحة فيسبوك.. العقل غالٍ فلا ترخصه.
2- افهم أن طبيعة التواصل الاجتماعي تخلق عند المستخدمين هدفاً رئيسياً وهو الوصول للمنشور الـ"viral" حتى وإن كان خبراً كاذباً، تذكَّر أن صورة المخلوق بنصف جسد أمامي على هيئة سمكة قرش والنصف الآخر على هيئة حصان ومثيلاتها هي المنشورات الأوسع انتشاراً والأكثر مشاركة على منصات التواصل الاجتماعي.
3- منصات التواصل الاجتماعي ليست مصدراً للمعلومات، هذه المعلومة من البديهيات، فمديرو الصفحات ومستخدمو تلك المنصات ليسوا صحفيين أو متخصصين في كل ما ينشرونه، وأغلبهم لا يقرأ سوى عناوين الأخبار قبل مشاركتها.
4- تحقّق من مصدر الخبر ومن كاتب الخبر، تحقق كذلك من تاريخ الخبر، فقد لا يكون الخبر نفسه كاذباً، ولكن تاريخ نشره هو ما يجعل منه خبراً غير صحيح.
فمثلاً بعد فوز ترامب ووعوده بإعادة الصناعات الأميركية التي هاجرت من أميركا للمكسيك، انتشر خبر يقول إن شركة فورد قررت نقل مصانعها من المكسيك إلى ولاية أوهايو الأميركية، الخبر صحيح، ولكنه يعود إلى أغسطس/آب 2015، أي أنه ليس له أي علاقة بترامب ووعوده، والحقيقة أن فورد لم توقف خططها ولم توقف العمل على مصانعها في المكسيك حتى، بل فقط نقلت بعض أعمال التجميع إلى أوهايو، أحد المواقع التي تتخذ من الأخبار المفبركة لها "لقمة عيش" التقط الخبر الذي نشرته CNN في 2015، وأعاد نشره بعنوان جديد؛ ليحقق انتشاراً كبيراً وينسب نصراً زائفاً لترامب عند غير المدققين.
هذه الأمور لن تأخذ منك سوى بضع ثوانٍ إضافية، ولكنها ستحصنك من الوقوع فريسة لأحد المواقع التي تتخذ من الأخبار المفبركة "بيزنس" لها.

5- لا تكتفِ بقراءة العناوين، فالكثيرون يشاركون الأخبار مكتفين بقراءة العناوين الغاضبة أو المثيرة دون مواصلة القراءة لما بعد العنوان بسطرين.

6- فكّر بشكل منطقي وعلمي في كل ما تقرأه، إذا كنت تقرأ مائة خبر يومياً دون تفكير أو تدقيق، فلتجعلها خمسة أخبار فقط، ولكن فكّر في كل منها خمس دقائق بعد قراءتها.

7- حاول أن تجنب انحيازاتك المسبقة جانباً قليلاً أثناء متابعتك للأخبار، كراهيتك لشخص أو مجموعة تجعلك تصدق كل ما يحقر من شأنه مهما بدا غير قابل للتصديق، مثال على ذلك تصديق الكثير من المحافظين لعدم ولادة أوباما في الولايات المتحدة برغم إظهاره لشهادة ميلاده، أو تصديق الكثير من المصريين أن أوباما وكلينتون ينتميان لجماعة الإخوان المسلمين.

انحيازك لصالح جماعة أو فكر قد يجعلك تصدق كل ما يصدر عنه أو كل ما يؤيد مواقفه دون مراجعة أو تدقيق، فالكثيرون في الولايات المتحدة شاركوا تصريحاً منسوباً لترامب يقول في التسعينات إنه لو قرر الترشح لرئاسة الولايات المتحدة، فإنه سيترشح عن الحزب الجمهوري بالتأكيد؛ لأن المحافظين حمقى ومن السهل خداعهم فهم يصدقون كل ما يقال لهم.

الحقيقة أن تصريحاً بهذا الشكل أو المضمون لم يصدر أبداً عن ترامب، ولكن الكثير من الليبراليين وجدوا فيه فرصة للتحقير من شأن مؤيدي ترامب، حتى إن "إيمي شومر"، صاحبة أحد أشهر العروض الكوميدية، اعترفت بأن الخبر كاذب، ولكن معناه صحيح.

الخلاصة: لا تجعل من نفسك فريسة سهلة للمواقع والصفحات التي تنشر أخباراً كاذبة، لا تكن سبباً في زيادة أرباح الذين يستغلون سذاجة القراء أو انحيازاتهم حتى وإن اضطروا لإلغاء عقولهم.

تذكَّر أن العقل من أكبر نِعَم الله علينا.. فأعلِ من شأنه ولا ترخّصه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.