المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل محمد عايش الأسطل Headshot

المبادرة الفرنسية.. والمصير الغامض

تم النشر: تم التحديث:

تُعتبر فرنسا من أهم الدول الأوروبية، سواء بالنسبة لمكانتها الجغرافية والسياسية، أو لنفوذها الخارجي، وخصوصاً حينما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، حيث أبدت اهتماماً بارزاً بشأنها، ووضعت أثقالها باتجاه تأليف مبادرة سياسية، لإعطاء عملية السلام دفعة أخيرة، باعتبارها مقدّمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما فعلت دول أوروبية ودولية أخرى.

وكانت عملت جهدها في سبيل إنجاح مبادرتها، وأصرّت إصراراً فاق الخيال بشأن رؤيتها تتقدّم إلى الأمام كحقيقة، حتى في ضوء اصطدامها بموانع دولية وصدّ إسرائيلي مباشر، وذلك بدءاً بتسطير بنودٍ مُيسرة، تكون مقبولة لدى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وانتهاءً بأنشطة تسويقية باتجاه أكثر من سبعين دولة فاعلة وعلى رأسها الولايات المتحدة، وتهدف إلى الاعتراف بها ودعمها.

رغم الإحجام الإسرائيلي الشامخ، انتظر الرئيس الفرنسي "فرانسوا هولاند" وحتى الفترة الأخيرة، لحظة الحصول على ليونة إسرائيلية؛ حيث قام في منتصف يونيو/حزيران الماضي، بإرسال وزير خارجيته "جون أيرولت " في محاولة لإقناع "نتنياهو" بقبول المبادرة، ولتحفيزه على إعطاء موافقة للمشاركة في مداولاتها، وتحت تعهّدات كافية بالتراجع عن مسألة التهديد الفرنسي، بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، الذي كان الفرنسيون قد لوحوا به في السابق، وبأن المبادرة لا تحمل أفكاراً جديدة، وتهدف فقط لضمان عدم انهيار عملية السلام، لكنه لم يُفلح في مهمته.

بعد أيام قليلة، وفي ظل إصرارٍ أكبر، قام بإرسال رئيس وزرائه "مانويل فالس" ودون أي ضمانات أو اشتراطات، إلى جانب بعض المنكهات، طمعاً في الحصول على نتيجة مختلفة، لكن حال "نتنياهو" بقي على حاله، الأمر الذي اضطره إلى الإعلان عن تأجيل المبادرة التي كان مقرراً لها أن تتم أواخر الشهر الحالي، إلى مطلع العام القادم، أي انتقالها إلى العهد الأميركي الجديد.

"هولاند" لم يعدم الحجة إزاء عملية التأجيل، وهي الحاجة إلى الإعداد أكثر لإنجاحها، وكأنه يريد الإقناع بأن طول المدة الماضية لم تكن كافية لهذا الإعداد، وكان الأولى أن يصارح نفسه ويعترف بفشله، خصوصاً أنه يعلم أن "نتنياهو" يعيش في عالم آخر ويجد فيه راحته التامّة، والذي فرض أن من غير الممكن الاستجابة بسهولة لأي مبادرة أو اقتراح كما كان يأمل بداية الأمر، وبالمناسبة فقد قام "نتنياهو" في مقابل المبادرة، بإبلاغ "هولاند" بأنه على استعداد للالتقاء بالرئيس الفلسطيني "أبومازن" لمفاوضات مباشرة وفي باريس نفسها، شريطة أن يقوم بتمزيق مبادرته بنفسه.

كانت المبادرة متساهلة جدّاً بالنسبة للإسرائيليين، ففي حين تقدّم "أبومازن" باتجاهها، كان "نتنياهو" أكثر حرصاً على رفضها، وبحجة أن لا بديل عن المفاوضات المباشرة باعتبارها الطريقة المثلى في تحقيق متطلبات السلام، ومن جهة ثانية، لمحاولته في انتزاع ما أمكن من المكاسب قبل إبداء قبوله بها، ومن ثم يعود إلى النقطة (صفر)، أي بدء المفاوضات من جديد، وبما يسمح لإسرائيل تذويب المطالبات الفلسطينية الضرورية، والقضاء على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية.

قد تكون فرنسا على حق فيما تصبو إليه، لكنها بأي حال، لن تكون، سواء بقيادة "هولاند" أو غيره، أثقل حجراً على "نتنياهو" من واشنطن، التي لم تستطع استدراجه ملليمتراً واحداً عن مواقفه المُعتادة، وهي وإن كانت قد أصابها العطل والضرر، سواء في دبلوماسيتها أو حنكتها التي ستذهب مع الرياح، إلا أن من السهل عليها ابتلاعهما وفي مدّة قياسية، لكن العطل والضرر سيكون الأكبر بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، التي بدأت بالفعل تفقد أي أمل، بشأن إحراز أي تقدم على نطاق القضية، وفي ضوء أنها لا ترى في إدارة "ترامب" الجديدة آمالاً مُحتملة، بل وتخشى كساد المسيرة السياسية حتى عدّة سنوات أخرى.

وإن كانت المبادرة قد تأجلت فقط ولم يتم إلغاؤها، أو أصبحت مجهولة المصير، فيمكن اعتبار "نتنياهو" -وقياساً على إنجازاته السابقة المُشابهة باعتبارها انتصارات- بأنه هو الفائز في هذه الجولة أيضاً، وإذا كان التأجيل قد تم بناءً على انصياع فرنسي لاقتراحه باستعداده للموافقة على استبدال المبادرة بلقاء "أبومازن"، فهذا بلا شك يُعتبر فوزاً آخر، خصوصاً وهو يُبدي فخراً نادراً، باعتباره إنجازاً شخصياّ ولا شراكة لأحدٍ فيه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.