المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل محمد عايش الأسطل Headshot

أوهام الفلسطينيين

تم النشر: تم التحديث:

إلى جانب وجود إجماع فلسطيني -رئاسي وحزبي وعلى الصعيد الشعبي أيضاً- على أنه لا يمكن الحديث عن قيام دولة فلسطينية، فيما لم تكن مُرتكزة على حدود عام 1967، أو أن لا تكون القدس عاصمةً لها، فإن لدينا إجماعاً فلسطينياً آخر وهو يتقدّم على الإجماع السابق، الذي ينص على استبعاد تلك الإمكانية، قبل التئام شطري الوطن -الضفة الغربية وقطاع غزة- والوصول إلى مرحلة الشراكة الحقيقية بين كافة مكونات المجتمع الفلسطيني.

في ضوء ما تزخر به الساحة السياسية الفلسطينية، ودون أن نجهد أنفسنا بالتفاصيل، فإن لدينا نتيجة واضحة تُوحي بأن لا دولة فلسطينية تلوح في الأفق، وبأيدٍ فلسطينية خالصة، باعتبار أن تلك الأيدي هي التي لا تقوم بتعطيل التقدم نحو الدولة فحسب، بل تعمل على التراجع عن السير نحو تحقيقها، وذلك بفضل مهارتها النامية باتجاه توسيع الفجوات القائمة، إلى الدرجة التي تبدو فيها المشكلات الآتية من الجانب الإسرائيلي، أو الواردة من رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تحديداً، تبدو مشكلات هامشية.

خلال لقاء الدوحة النادر، الذي جمع بين الرئيس "أبو مازن" وكل من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ونائبه إسماعيل هنية، أواخر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، تم الحديث وبصورةٍ مُبهرة عن ضرورة إعادة اللُّحمة بين شطرَي الوطن سياسياً على الأقل، ما يعني عدم إقامة دولة في الضفة الغربية دون قطاع غزة، وعدم إقامة إمارة أو دولة داخل القطاع دون الضفة الغربية، ورغم هذا الحديث، فإن الصراع المتبادل ما زال باقياً، بل وزاد في الاحتدام.

من شروط "أبو مازن" المطلوبة من قادة حماس، تسليمهم مفاتيح القطاع بلا أدنى قيد؛ كي يتسنى له الانخراط بحريّة أكبر في المسيرة السلميّة، باعتبارها هدفه الاستراتيجي، حتى رغم الصعوبات الدولية والإسرائيلية بخاصة، التي تواجهه وتعرقل -حسب تفكيره- مساعيه الرامية إلى تحقيق الدولة، وحماس بالمقابل، لم تقتصر اشتراطاتها عليه بضرورة تخلّيه عن تلك المسيرة، باعتبارها قذرة ومضيعة للوقت، بل طلبت السماح بنقل أدوات المقاومة إلى الضفة الغربيّة، كونها ستُبلي بلاءً عميقاً ضد الاحتلال، وتُعجل بالتحرير.

الشروط السابقة هي شروط عملاقة، وهي مرفوضة تماماً، كونها لدى الجانبين تؤدي إلى احتراق المصالحة برمّتها، فـ"أبو مازن" دأب منذ حين على رفض أي اشتراطات صغيرة كانت أم كبيرة، وبالشكل الذي لا يُمكّنه قبولها في المستقبل، كما أثبت أنه ليس على استعداد للالتفات إلى أحدث نظريات حماس التصالحيّة، التي تزعم أنها نظرية متكاملة، والمعتمدة على الاتفاقيات السابقة (اتفاقية القاهرة، الدوحة، مخيم الشاطئ)، والمتعلّقة بإجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية.

حماس من جانبها لم تقبل بشروط "أبو مازن" لا في الماضي ولا الآن، كما أنها ليس بوسعها الموافقة على أي منها في المستقبل، وحتى في ضوء جريان محادثات على مستوياتٍ عليا (رسميّة وجانبية)؛ لأن هذه المحادثات تكشف من غير شك عن أن ادعاء الجانبين بخصوص المصالحة غير دقيق، بل وتطفو لديهما سياسات لا تؤمن بالمشاركة السياسية، خصوصاً أن هذه المستويات، كما يبدو، غير مستعدّة لكسر القواعد، وكأنها مصنوعة فقط لإغراق الفلسطينيين في أوهامٍ أخرى جديدة.

كان ينبغي على الطرفين الأخذ بأنّ ما تمرّ به القضية الفلسطينية من تقلبات قاسية ومتواترة، باعتبارها أجراساً مُنبهةً للبدء في سلوك الطريق الصحيح، وبما تمليه المصلحة الفلسطينية العليا، وإلاّ فإننا سوف نظل نتحدث عن الدولة ولا نجدها، حتى رغم الحديث عن وجود تلك الدولة ضمن خارطة "كيري - لافروف" الجديدة للمنطقة، وهي الخارطة التي من المفترض أن تحلّ محلّ خارطة "سايكس بيكو" خلال الزمن الآتي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.