المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل الحلبي Headshot

رسالة إلى ولدي: اقترب مني حين أكون "عجوزًا"

تم النشر: تم التحديث:

حَريُّ بي، وقد انتصف العمر مني، ومالت الشمس إلى المغيب.. أن أقدم لك يا بني نصيحتي وأنت في عمر الزهور، وربيع أمانيك على المشارف، والدنيا فاتحة لك الأبواب.. فقط أعيرني انتباهاً وصبراً إن أطلتُ عليك رسالتي.. فلن ينصحك بعدي أحد.. لأني أنا الذي أحببتك أكثر مني، وأنا الذي انتظرتك بأفراحي وأهازيجي.. قبل أن تأتي إلى الدنيا.. فخذ عني كلمات أنت أحوج إليها من بعدي.

اليوم أنا جليسُك.. أسامرك وتسامرني.. وغداً ربما لا يقوى لساني على الحديث أو يداهمني مرض خبيث.. أو يُغيب مني عقلي.. استمع لي.. استحضر يا بني عظمة الله فِيّ.. الذي صيرني من بعد ضعف إلى قوة، ومن بعد قوة إلى ضعف وشيبة.. وأعلم أن ابنك يراك فعاملني بما تحب أن يعاملك به.. فالدنيا دَينُ إلى أجل مُسمى ورهانُ مقبوضة.. فاتق الله وكن باراً بي.. إذا وهن العَظمُ مني واشتعل الرأس شيباً.. وإن طال عمري بمرض ميئوس منه فاصطبر ولا تتعجل رحيلي.. فكلُّ عُمر في كتاب.. وكل أجل معلوم.. فقط ادعُ الله لي أن يخفف عني، ويجعله كفارةً لي.. حتى ألاقي وجهه الكريم وقد غُسِلتُ من ذنوبي.. وما بيني وبين خلق الله فإن الله وسيط بيني وبينهم يوم القيامة.

اقترب أكثر.. إن ضعف البصر أو كف مني.. ولا تتضجر ولا تتوارَ خجلاً من أصدقائك.. فمن وهبني ''حبيبتيَّ'' قد استردهما لأمر يعلمه.. وإني على خطبي لصابر ومسترجع، وكن لعينيَّ الضياء.. وإن تمايلت رأسي واهتزت فلا تنزعج مني.. ربما قد ثقُلت عليَّ أفكاري، أو شردتُ بعيداً عن عالمك فارتجّ عقلي، ولم أعِ أنها دوامة تصيبُ من ثقُلت همومه.. فقط التمس ليَ العُذر.. واعلم يا بني أني ما رأيت بعمري زينة الدنيا إلا في عينيك.. وإن أثقلتُ عليك لا تغضب ولا تهرب.. فإن الله سيجزيك عني الجزاء الأوفى.

عفواً يا ولدي لا أسمعك.. فأعد عليَّ ما قلت مثنى وثلاث ورُباع.. فإن لم يصلني صوتك فاعلم أني قد أُصبت بالصمم، ولا ريب ولا عيب في ذلك.. فقط اقترب مني، وسأقرأ عينيك.. أو يكفيني منك ابتسامة على شفتيك.. سأعي ما بهما.. فثغرك هذا لأجله شقِيت عمراً وتغربت دهراً لأطعمه حلالاً طيباً.. وذابت فيه متاعبي وكان لي أشهى الأماني حينما كان يضحك لي كانت تزول على ابتسامتك جبال أحزاني.. أقترب مني، وإن لم تساعدني قدماي على المسير فاعلم أني أصبحت عجوزاً.. اقترب مني بماء وضوء.. سيطفئ منك غضباً.. إن كنت لم ترضَ عني أو أغضبك مني تصرف غير محمود لديك.

إذا ارتعشت يداي فلا تخجل.. هذا قدري.. فقط خُذ بهما يستندان إلى منكبيَّ كحال تشهدي في الصلاة، واذكر الله.. اذكر الله.. فدوام الحال من المُحال، واقترب مني.. ضع يدك على يديَّ اربط عليهما، وإن لم أقوَ على تناول مائي ودوائي فساعدني بيديك، فلن أجد حناناً أكثر منهما، وفيهما من البركات ما يغنيني عن غيرك، وترفق بي يا ولدي.. ولا تتعجل أن أفرغ من طعامي.. فقط أمهلني مزيداً من الوقت فلربما قد فقدت أسناني، وإن تساقط من فمي لُعابي.. فلا تشمئز يا ولدي.. فلن يزيد ما سقط مني في بِطاح أرض الله شيئاً.. وجفِّف فمي بيمينك.. وأعلم أنني ما طاب لي المِسك إلا من ريقك.

وإن هذيت بكلام غير مفهوم فاستمع إليَّ.. ربما أنطقني الله بحكمة في كلمة لم أعِ لها بالاً.. وأراد الله أن يذكرك بها أو يعلمك إياها، ولا تتأفف من هذياني.. ولا تنعى حظاً يا ولدي، ولا تضرب كفاً بكف.. فقط أحتاج حنانك.. اقترب مني.. وتظاهر بأنك تُحدثني.. أشعِرني أني ما زلت ذا قيمة، وأنني ما زلت حياً.. واغسل وجهي بماء تطيبه يداك، واسقني وأطعمني حلالاً طيباً.. فإني مُقبلٌ على الله بطعامك.. وارتقب يوم يأتيني التراقي، وتلتف مني الساق بالساق.. اصحبني إلى فِراشي.. وحين تحضرني السكرات وجِّهني إلى القبلة التي اعتدت عليها، وذكرني الشهادة.. عسى أن يكون وقت أذان أو عِبادة، واسقني من رحيقِ يدك.. وضع راحتك على جبيني برفق.. ولا تبكي يا حبيب العمر.. لا تجعل آخر عهد ما بيني وبينك ''دمعة'' على فراق.. وسُد عني ديوني أو تكفل بها لأتحلل منها قبل أن تواريني التراب.

وختاماً: حين أموت ستأخذ مكاني، وأعلم أنك أصبحت إلى قبرك منك أقرب.. فيا كنزي الذي ادخرت، ويا أعز الناس متى التلاقي.. عيناك تدفئان روحي.. تبرأ فيهما جروحي.. إلى اللقاء.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.