المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل الحلبي Headshot

المتاجرون بالقرآن في هذا الزمان!

تم النشر: تم التحديث:

مرض عضال جديد تفشَّى في جسد مجتمعنا كالنار في الهشيم، ساعد في انتشاره مشاهير قراء القرآن الكريم الذين حباهم الله بموهبة الصوت العذب الجميل، فبدَّلوا نعمته عليهم بدلاً من تلاوته فتخشع قلوب الذين آمنوا إلى تجارة ليكتسبوا منها الأموال الباهظة بعد تلاوته على جثث "الموتى"؛ لينطبق على أهل كل متوفى المثل القائل "موت وخراب ديار"!

هذه "البدعة" طغت في هذا الزمان الذي ارتكبت فيه المنكرات، واستبيحت المحظورات، وبدلاً من أن يعلمنا مشاهير القراء أحكام ديننا، والأدب في حضرة رحاب القرآن الكريم، أعرضوا عنا، واشترط كل مقرئ على أهل "المتوفى" دفع الأجرة التي حددها لنفسه، ووصلت إلى أرقام فلكية؛ ليقبل أن يقرأ القرآن في سرادق العزاء.

يا أهل "الميت" لا تنساقوا خلف عذب أصوات تجار القرآن إنها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإنها طامة وحسرة وندامة على متوفاكم لن تنفعه تلاوة مقرئ الإذاعة، ولن تغنّي عنه في قبره من عذاب الله شيئاً.

يا مَن اتخذتم من أصواتكم والقرآن تجارة دنيوية رابحة تدر عشرات الآلاف من الجنيهات مع كل غروب شمس ووفاة روح، إنها خدعة الدنيا التي أقبلت عليكم، وأقبلتم عليها، فنصبت لكم شباك السباق ليعرض كل منكم صوته، وليضع له أجراً، فيتبارى مقرئ ليستعرض "نفسه الطويل" وليحقق أجراً أعلى، وآخر يتغنى بآيات الله على سلم موسيقي؛ ليتصدر قائمة أعلى الأجور، ومقرئ ثالث جاء بمكبرات صوت ومكسرات وكاميرات ومدير تصوير ومذيع ليسجل تلاوته ويعرضها للبيع لأهل "الميت"، والأدهى من ذلك يستهل المذيع كلمات التقديم بمديح وشعر في فضيلة "المقرئ"، زاعماً أنه سيحيي "الحفل" من سرادق المرحوم!

كل يوم قائمة أسعار جديدة، تحت مظلة الجشع تلهب ظهور أهل المتوفى، وكان الأحرى بتجار القرآن أن يتذكروا جلال الموت، وأن يعدوا له عدته.. ربما كان أحدهم هو "الميت" اللاحق فيلقى الله -تبارك وتعالى- على معصية، ولسوف يسأله الله على ما كسبت يداه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن القرآن فيما عمل به، هل تلاه لله أم أن جمع المال ألهاه، أم تاجر به وأنساه الشيطان سؤال ربه؟
أموالكم جمعتموها لغيركم، وأوزارها عليكم معلقة في أعناقكم.. ماذا ستقولون لربكم يوم العرض عليه.. يوم لا تخفى منكم خافية؟

يا تجار القرآن الكريم.. يا مَن "توفيتم" وسبقتمونا إلى الدار الآخرة.. ماذا أُجِبتم؟ وهل أغنت عنكم أموالكم من عذاب الله شيئاً؟ أم أنها كانت حسرة وندامة؟
يا تجار القرآن الكريم، يا من تتلون كتاب الله وراء ظهوركم.. اسألوا مَن سبقكم، ممن تاجروا به من قبلكم، كم عمّروا في الأرض عدد سنين، وكم أخذوا معهم في أكفانهم أو حوت أبدانهم في قبورهم، لو اطلعتم عليهم ما بقي منهم إلا جيفة ورميم.

يا مَن ورثتم تجارتكم لأبنائكم وأحفادكم، وتعلمون علم اليقين أن تجارتكم البائرة مردودة عليكم يوم تبلى السرائر، وما لكم من قوة ولا ناصر.

يا تجار القرآن الكريم.. ألم يستفتِ فيكم أحد قلبه ليعرف إن كان طعامه وشرابه من حلال أو حرام.. أم أن على قلوبكم أكنة فختم الله عليها؟
يا حفظة كتاب الله.. هل عملتم بما جاء في محكم آياته سبحانه وتعالى: "وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أول كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ"؟

هل تدبرتم القرآن وتلوتموه حق تلاوته لوجه الله، أم أنكم ترنمتم به بألحانكم لتشنف آذانكم صيحات وتهليلات وتكبيرات المستمعين، وليس المُنصتين؟
يا مَن تاجرتم بأصواتكم في القرآن الكريم.. كنزتم من ورائه لأنفسكم جبال أموال، وملكتم من الأرض ما رمحت فيها الخيل والبغال، وشيدتم أبهى الدور والقصور، وألهتكم سرادقات الموتى عن عمارة القبور.

يا تجار القرآن الكريم.. هل شبعت بطونكم من نعيم الدنيا، وآمنتم دوام العافية، وحُسن الخاتمة؟

يا تجار القرآن.. الحلال بيّن والحرام بيّن، كان الأحرى أن تقرأوا القرآن ابتغاء وجه الله -جل في عُلاه- لا لابتغاء عشرات الآلاف من الجنيهات لتكنزوها في البنوك.

عن أبي هريرة وابن عباس -رضي الله عنهما- قالا: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث وفيه: ومن تعلم القرآن فلم يعمل به، وآثر عليه حُطام الدنيا، وزينتها استوجب سخط الله تعالى، وكان في درجة اليهود والنصارى، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، ومن قرأ القرآن رياءً وسمعة، أو يريد به الدنيا، لقي الله ووجهه عَظْمٌ ليس عليه لحم، وَدَعَّ القرآن في قَفَاهُ، حتى يقذفه في النار، فيهوي فيها مع من هوى، ومن قرأهُ ولم يعمل به حَشَرَهُ الله تعالى يوم القيامة أعمى".

الآن ليس لكم حجة عند الله، ويوم القيامة أموالكم التي جمعتموها من تجارتكم سوف يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهكم وجنوبكم وظهوركم.

يا طغمة ممن منّ الله عليهم بالأصوات الجميلة فتاجروا بها في القرآن.. الآن راجت تجارتكم، وخسر البيع، خسر البيع.. والله المستعان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.