المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل الأنصاري  Headshot

محددات أولية لنجاح الوثائق والمبادرات

تم النشر: تم التحديث:

بداية لا بد من تأكيد أن مصر تعيش في ظل الحكم العسكري أزمة عاتية تحيط ببلادنا من كل جانب، وتنخر في مقومات استقرارها ونهضتها، وتقوض كل محاولة جادة للعودة إلى اللُّحمة الوطنية التي تجلت في يناير/كانون الثاني وما تلاها، ولا بد أن نؤكد حتمية وضرورة أن نتخطى هذه المرحلة التي خسرت منها مصر ما لم تخسره على مدى قرون، وأن الخلاص من هذا الحكم الجبري لن يكون إلا بعودة راشدة إلى أجواء يناير، بتوافق وطني كامل على أسس الدولة المدنية التي تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم.

ومن البداهة أن نؤكد أن الإجماع الوطني المطلوب للخلاص من العسكر يتخطى مجرد الالتحام بين القوى السياسية أو ما اصطلح عليها القوى الثورية؛ ليتسع مجالها إلى كافة مكونات الشعب، بما فيها القوى غير المسيَّسة؛ للوصول إلى لُحمة وطنية حقيقية تجمع كل أطياف الشعب ومكوناته، بما فيها القوى السياسية وغير المسيَّسة، في نسق يتجه صوب الخلاص الجامع من مكونات الحكم العسكري إلى غير رجعة.

وعلى قدر هذا التوافق الوطني الواسع والحقيقي بمفهومه الشامل (السياسي وغير المسيَّس) سيكون النجاح في الوصول إلى النتيجة المرجوة، بينما سنظل نراوح أماكننا ونسير في محلنا إذا كان البون بيننا وبين هذا التلاحم الوطني الشامل أمداً بعيداً.

هذه محددات مهمة علينا أن نذكر بها قبل الخوض في حديث المبادرات والوثائق، ويلزم الاستقرار عليها قبل الدخول إلى عالم التوافق والحديث عن الاصطفاف الذي لاكته وسائل الإعلام وأفقدته بريقه، بل وحولته إلى أيقونة مبتذلة في كثير من الحالات، وحتى لا نستغرق في حديث بعيد عن الموضوع محل النقاش، وهو فكرة المبادرات والوثائق، التي تتكاثر كل يوم وتأتينا من كل حدب وصوب فتشغل كثيراً من الفراغ الإعلامي ومساحات الاهتمام داخل وسائل التواصل الاجتماعي.

نحتاج إلى تأكيد عدد من المفاهيم والمحددات التي نراها مهمة في التعامل مع الزخم الوثائقي والمبادراتي، بهدف إنجاحه وتفعيل الاستفادة منه حتى لا تكون هذه الوثائق أو المبادرات أقرب إلى اللغو منها إلى العمل الصالح.

وأطرح في هذه العجالة عدداً من المحددات التي أراها مهمة في التمييز بين المبادرات والوثائق التي يتوجب على الكافة أن ينشغلوا بها، وتدور حولها نقاشاتهم وحواراتهم، وبين تلك التي نقدر أصحابها ونثمن جهدهم ونستفيد من خبراتهم وعطاءاتهم المشكورة دون أن نعول على طروحاتهم ومبادراتهم آمالاً عريضة لحلحلة الأزمة.

وأول هذه المحددات هو مدى تعبير الحضور عن القوى الوطنية الحية بكل تنوعاتها، سواء السياسية أو الفكرية أو الفئوية أو حتى القطاعات غير المنشغلة بالعمل السياسي، فالمبادرة الناجحة لا تستثني طرفاً ولا تقصي فصيلاً ولا تستبعد مكوناً وطنياً أو طيفاً فئوياً، إذ لا يكون مبرراً لتجاوز هذا المحدد أن نقول دعونا فريقاً فلم يحضر، وتواصلنا مع طرف فلم يستجِب، حينها لا بد من النقاش حول جدوى المبادرة من حيث المبدأ إذا غاب عنها أحد المكونات الرئيسية أو أحد الأطراف المهمة التي يصعب تجاوزها.

وثاني تلك المحددات أن يكون الحضور ممثلاً تمثيلاً رسمياً وحقيقياً لكافة الاتجاهات والمكونات المطلوب مشاركتها في الوثيقة أو المبادرة أو حتى النقاش المبدئي، ولا يدخل في إطار النقاش الجاد أن نستدعي منتمين لتيار أو قطاع ليس لديهم تفويض بالنقاش والحوار من المؤسسات التي يتبعونها. فالغاية من الاجتماع هي الوصول إلى قدر من الاتفاق بين القوى المختلفة والمتباينة، وهو أمر لا يكون له أثر على أرض الواقع إلا إذا صدر عن ممثلين رسميين للجهات المشاركة، وإلا كانت النتيجة اجتماعاً لا تجد له صدى خارج قاعة الاجتماع الذي عقد فيه.

ثالث تلك المحددات أن نعرف على وجه اليقين والدقة الجهة التي دعت إلى هذا الاجتماع ورعت تلك المبادرة، فمعرقة الجهة من شأنها أن تسهل علينا أن نعرف مدى فاعلية الاجتماع، ومدى قدرة الجهة الداعية لفرض مخرجات الاجتماع على كافة الأطراف، ونعرف ما هي الأوراق التي تملكها تلك الجهة الراعية للضغط على الأطراف لتنفيذ مقررات الاجتماع.

رابع هذه المحددات أن تكون لهذا الاجتماع ثمرة عملية ونتيجة على الأرض وخطط واقعية للخلاص من العسكر والعودة إلى روح يناير ومكتسباتها، من خلال تحديد خطوات مرحلية للوصول إلى الأهداف المرجوة، في إطار توافق كامل بين الكافة دون تفريط في المكتسبات التي حصلت عليها الثورة.

خامس هذه المحددات هو الشفافية والوضوح بل والعلانية، ونقصد بها علانية التبني من الجهة التي تطرح المبادرة وشفافية الإعلان عن موعد الاجتماع وطبيعة المجتمعين، ولا بأس بعد ذلك أن تكون التفاصيل بعيدة عن وسائل الإعلام إلى أن تنتهي المقررات أو تصدر التوصيات، فالشفافية والوضوح وعلنية الفكرة والدعوة إلى الاجتماع يكون عاملاً رئيسياً في التعاطي مع الفكرة وإعطائها مزيداً من المصداقية.

بدون هذه المحددات لا نستطيع أن نقول إننا أمام فرصة لا ينبغي أن تضيع أو توافق لا ينبغي أن يفوت، وبدون هذه المحددات نكون أمام اجتهادات من أفراد أو مجموعات لا بأس من طرح أفكارها أو التعريف بها أو محاولة الاستفادة منها، إلا أن الخروج بها عن هذه الدائرة يعد نوعاً من المبالغة إن لم يكن ضرباً من إهدار الوقت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.