المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فرح أشباب Headshot

لو لم تكن فيروز في حياتي...

تم النشر: تم التحديث:

الموسيقى لون الحياة، تلونها بالرمادي تارة و البنفسجي تارة والأسود تارة، و الوردي تارة والفيروزي تارة أخرى.. نسمع الموسيقى فنصمت مثل طفل صغير قدمت له هدية لم يرها من قبل فيصمت و ينكب عليها مكتشفا، الكبار كذلك يصمتون عندما تتحدث الموسيقى احتراما للناي و العود و الكمان و البيانو والقانون والأنامل التي تعزف ذهبا وفضة وألماسا...

فيروز.. ذلك الصوت الذي يخرج من حنجرة لم تعرف خامتها لحد الساعة، كل مانعرف أنها شرّفت الأرض بقدومها منذ واحد و ثمانين سنة و بضع ساعات.. لو كانت والدتها التي صرخت من ألم الولادة لساعات تعلم أنها ستنجب فيروزا لضحكت من الألم..

هناك أشياء تحدث مرة واحدة في الحياة كلها، الكاتب الروسي دوستويوفسكي لن يتكرر إبداعه مطلقا، وبيتهوفن وبيكاسو لن يتكررا، إينشتاين لن يتكرر، فيروز كذلك لن تتكرر..

ذات مرة انساب صوتها رقراقا عذبا من مذياع سيارة الأجرة التي كنت أستقل، أخبرني السائق العجوز دون أن ينظر إلي "كنت شابا في السبعينات من القرن الماضي، كنت كلما سمعت صوتها أفرح و أحزن في نفس الوقت. ولا زال نفس الإحساس يعتريني رغم أنني صرت عجوزا.." سكت لبرهة ليكمل" أتدرين يا بنيتي.. لا أدري هل السيدة فيروز ماتت أو مازالت على قيد الحياة، لكني متأكد أنها لن تموت مادام صوتها يذاع.. "

فيروز، ذلك الحجر الكريم الغامق المائل إلى زرقة الليل وهي تنعكس على العيون الساهرة.. تلك الروح البهية التي لا يمكنها أن تكتم إحساسا.. سواء أكان فرحا أو حزنا أو حنينا أو شوقا، تلك السيدة ذات العينين الحزينتين و الشعر الكستنائي، والأنف المستقيم، والنظرة الثاقبة الحزينة الصامدة و الجسد النحيف الذي يقف شامخا آذنا لصوت عبقري ذو شخصية باجتياح آذاننا و قلوبنا وأرواحنا.. اجتياحا جميلا جدا.. وكأن لصوتها عينِه روحا مستقلة عن تلك الروح التي تسكن جسدها..

فيروز، تلك الكائن الذي يحملك بين طيات الزمن، فيعود بك إلى الماضي، إلى الحب الأول، إلى النظرة الأولى والهمسة الأولى والخيبة الأولى و الفرحة الأولى.. وكأن صوتها كُتب ليزرع في قلوبنا الحنين لكل شيء، لحب عشناه، لحي عشنا فيه، لشادي.. حب الطفولة، لزهرة المدائن، للقدس، للزعل الذي طال بيننا وبين الحبيب، للحبيب الذي مازال على بالنا، للناس الذين كانوا ينتظرون أناسا على المفرق وهم يحملون شمسية، للحيطان التي ضجرت منّا و من حزننا، للأبواب المغلقة، للحنين الذي لا نعرف لمن نُكنه، لستِّي، للبنان والأرز و الشام و العراق، للطاحون قرب نبع الميّ، للثلج والأجراس، للحبيب الذين أحببناه في الصيف و الشتاء و أنسانا النوم.. للعشق الذي دقّ الباب فأجابه القلب "راجعين ياهوى راجعين.."، للّيل و الوعود الكاذبة و الصادقة، للورد والدمع والأم..

لكل شيء جميل و يائس فينا، للروح التي تعتنق الأمل رغم النكسات..
لو لم تكوني أنت يا سيدتي في حياتي لكنت إنسانة أخرى، فاتها الكثير لأنها لم تزامن فيروز.. و لم تسمع لفيروز و هي تغني من روحها وقلبي.. وتلون الكون بألوان جميلة كالفيروز الأزرق المائل إلى لون الحياة..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.