المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبو بكر حمدي مشالي Headshot

هل سيبني السيسي دولة ؟!

تم النشر: تم التحديث:

"كنت أخادع الأيام حتى أعيش كما أريد" جمال عبدالناصر
هذه العبارة كانت بمثابة تعويذة يضعها الناصريون أسفل صورة عبدالناصر حتى وإن كانت مُعلَّقة على باب سجن أو سور مقبرة، لنتجاهل الصورة والعبارة الآن ونعترف بفصاحة عبدالناصر الذي كان صريحًا أكثر مما يجب في هذه المقولة -التي ينسبها إليه أنصاره- والتي أظن أنها ستُساعدنا في الإجابة على السؤال الذي جاء به العنوان ولن نكون بحاجة إلي كثير تفسيرات كُنا سنضطر لسردها لولا هذي السبع كلمات، إذن القُدوة القائد الناصري -الثائر- الأول كان يُخادع الأيام و"الخليفة" السيسي -كما يحلو لمؤيديه أن يصفوه- لا بد وأنه يقتفي أثر قائده ولن نجزم بذلك الآن.

حسنًا لنبدأ..

في كتابه الموسوعي "تضخيم الدولة العربية" يقول د. نزيه أيوبي:
"يعتقد بعض الحكام العرب أن التلبّس بمظهر الليبرالية السياسية من شأنه أن يشكّل ضمانًا أكبر للمستثمرين والحكومات الغربية المانحة للمساعدات، ويعطي انطباعًا بأن دخولهم مجال الخصخصة يعني دخولهم إلي رحاب الديموقراطية، ولكن مستثمري الخارج ومتعهدي الداخل يشرعون في شق طريق إلى داخل جهاز الدولة، وإقامة مجموعات ضغط لا علاقة لها بالديموقراطية؛ لأنها لا تنشئ تمييزًا بين الخاص والعام، كما هو الحال في الدول الديموقراطية، حيث المجالات مفتوحة لمشاركة الطبقات الاجتماعية والفئات المهنية والأحزاب فيها، وإنما تنشأ بدافع اقتصادي احتكاري يمتصّ مؤسسات الدولة ويحوّلها إلي إقطاعات خاصة بأصحاب المال و -الجنرالات-، وبذلك لا تنشأ ليبرالية سياسية تؤدّي إلي الديموقراطية، وإنما تؤدّي فقط إلى الحفاظ على الأنظمة المُستبدة السلطوية التي تختبئ وراء -وهم الاستثمار- و -المشاريع القومية- و -هاجس الخوف علي الدولة- للتخفيف من اللوم الذي يُكال لها في حلّ المشاكل السياسية والاقتصادية التي فشلت فيها فشلًا ذريعًا.

هذه الأنظمة عادة ما تلجأ إلي سياسة "المظاهر" و "الديمقراطية التجميلية" لتُعطي انطباعًا أنها مُستقرة ثم تَعمَد إلى الحشد النوعي كي تبدو ذات رصيد اجتماعي حاضن لها ظنًّا منها أنها ستستثير إعجاب الدول الغربية العظمى، وبالتالي ستزيد الأخيرة من استثماراتها و مساعداتها، وأورد "أيوبي" أن هذه الفلسفة تم التعامل بها سابقًا في كلٍّ من البرازيل و البرتغال في القرن التاسع عشر بدافع التباهي والقول "من أجل أن يراها الإنجليز" هذا ما فعله و يفعله السيسي دائمًا، وأقرب مثال هو مشروع -قناة السويس الجديدة- كما يسميها والتي تم افتتاحها بعد أن هَيأ الرأي العام للمشروع بل وضخّم من جدواه دون أية خطط ولا تقارير توضيحيه؛ فحرّضهم علي المشاركة فيه ثم أوعَز إلي أذرعته الدينية أن تُسبح بحمد المشروع و تُقَدِسُ له وتغسل سُمعته كُلما تلطخت بدماء مُعارضيه، أما أذرعته الإعلامية فلسنا بحاجة لتفسير دورها التي لعبته وتلعبه وستلعبه من بداية الانقلاب حتي حين، فعل السيسي كل هذا لمصر "من أجل أن يراها المواطن المصري المُغَفَل فيفرح والأجنبي صاحب المصلحة فيظن أنها مُستقرة وجديرة بالدعم و الاستثمار".

هل عرفتم الآن ما إذا كانت مصر تفرح أم تُمارس الزيف علي نفسها؟!
"هاجس الدولة المُستهدفة، وكيف تم استثماره؟!!"

دائمًا وأبدًا في مناخ الاستبداد لا توجد سوي منطقتين للحركة "منطقة آمنة" تجمع "سَدَنة العسكر"، و "منطقة خطرة" تستدعي دفع ضريبة يتحملها الثوار في الميادين ومُعتقَلوهم في السجون، ومنطقة هُلامية لا تُري بالعين المُجردة يقبع فيها المُواطن العادي أو "المخلوق التعيس" كما يُسميه "جون ستيوارت ميل" الذي يُمكنه أن يكون مؤيدًا بالنهار ومُعارضاً بالليل، الذي يتم استخدامه مِن قِبَل العسكر لإحداث فوضى أو صناعة حشد مزيف فهو مُجرد صوت قابل للتأطير والقولبة، وإن دعت الحاجه لتوريطه سيُحاسب علي مشاريب الثورة مع الثوار حتى وإن لم يكن على دينهم، فالسيسي نجح في القضاء علي مفهوم "الشعب" الذي هو قوام أي "دولة" بجانب "الحكومة والسيادة والأرض" هذه الأركان الأربعة هي التي تقوم عليها "الدولة" لكن العسكر حَوّل الشعب إلي جماهير "احنا شعب وانتوا شعب"، جمهور يُصفق وجمهور يلعن وجمهور يُصفق أحيانًا ويلعن أحيانًا أُخرى لكنه لم ولن يتحرك لأن العُنف مُفرِط والنقد تكلفته باهظة، لهذا سَهُل عليهم تطويع هذه الشريحة بالجهل وكيّ الوعي مرة وبهاجس الخوف مرة أخرى، حتي استسلم المُواطن المُغفل لروايتهم للأحداث بأن ثمة إرهاب يتربص بمصر فتجمعوا حول السيسي تارة رغبًا بالتفويض و تارة رهبًا بالخوف، فانتهي الحال بمصر إلي حكومة فاشية تتمثل في "شخص" لا يثق بأجهزته ولا بمجتمعه ومُجتمع مُعاق كَفَر بالحكومة ولم يَعُد يُعَوِّل عليها في حل أزمة أو تحقيق إنجاز.

ثمة تشريح دقيق عرضه د. أيوبي يَصلُح لأن يكون تفسيرًا لما يعيشه معسكر الانقلاب..

يقول: بإمكان الأنظمة العربية "الراديكالية - الثورية" أو -الانقلابات العسكرية- أن تجند جيوشًا وأن تخوض حروبًا داخلية طويلة كما بإمكان هذه الأنظمة تعبئة الناس من خلال التعليم "تعديل المناهج وتزوير التاريخ وتشويه الحاضر" ووسائل الإعلام "التحريض وتهيئة الرأي العام" و برامج الرفاه الاجتماعي "التوك شو" لكنها لا تستطيع أن تدمج بشكل فعال القوى الاجتماعية المعبأة حديثًا "الشباب اللي هيتم تمكينهم علي عربيات الخُضار أو توكـ توكـ واللي هيعترض هيتمكن في السجن أو القبر" وقال أيضًا إن خططها الاقتصادية لم ولن تُثمِر التنمية المتسارعة المطلوبة "أصلًا مفيش خطط ولا برامج أ.هيكل قال إن السيسي "طبيب الفلاسفة" مش محتاج برامج كفاية الفلاتر" وإن أزمة مالية مديدة ستنجم عن الطبيعة المتناقضة لسياستها الاقتصادية تكفي لتمزيق الغطاء الخفيف الذي يحاول تغطية إيديولوجيتها الشعبية "كذبة المؤتمر الاقتصادي- القناه الجديدة- مفيش - مش قادر أديك - هتدفع يعني هتدفع - الحباية - زي الرز- لمبات مُوفرة - اقسم الرغيف أربعة ...." والكشف أن هذه الإيديولوجيا لا تزيد عن كونها برنامجا انتقائيًا فقط "زيادة مرتبات الجيش والشرطة والقضاء وبلاش الشعب" بدلاً من كونها نظرة عالمية "أم الدنيا و هتبقى قد الدنيا" تديم نفسها بنفسها كما أراد لها مرسي "نسعي لامتلاك غذائنا و دوائنا و سلاحنا".

"إن لم تُقاوم نِظامًا ستتكيف معه" مالك بن نبي.

رغم أننا أمام معركة صفرية طرفاها هُما حدا الصراع "الشعب و المؤسسة العسكرية" وليس من السهل أو المنطقي الحديث عن أن ثَمة تسوية أو مفاوضات تلوح في الأُفق في ظل حالة الجمود الحالية وأنه ما مِن طرف يملك الرغبة أو القوة ليُعلن عن ذلك وإن كُنت أدّعي شخصيًّا أن الأمور ستسير بنا إلي هذا الاتجاه يومًا ما أو ربما إلي -حرب أهلية- أدعو الله ألا تكون، إلا إنني أتجاوز كل هذا الجدل وأزعم أن خصوصية الحالة المصرية في ظل الوضع الراهن وتجارب التاريخ تتطلب منا أن نقضي على ثقافة الاستبداد والتسلُط التي يحيا بها الشعب قبل أن نسقط "المستبد" نفسه ، لأن شعبنا -المُتدين بطبعه- قادر على إعادة إنتاج غيره بشتي الطرق، شعب "عبد المأمور" "أكل العيش" "امشي جنب الحيط" شعب مُهَيأ للتَكَيُّف تحت أي سلطة قمعية لأنه ليس مٌستعدًّا لدفع ثمن مقاومتها بعد أن تم خنقه في الزاوية وإنهاكِه كي لا تقوم له قائمة مرة أخري، لذلك طبيعي أن يكون ثبات الثوار في الميادين والأحرار في المُعتقلات عبئًا علي المجتمع الجبان الذي جعل من نفسه عصًا في يد العسكر يضرب بها علي يد خصومها بعد أن تعري جسده بالكامل.

الدولة القمعية إلي أين تتجه؟!
يقول أيوبي في ذات الكتاب: إن الدولة الضارية دائمًا ضعيفة؛ إذ إن الدول التي تستخدم أجهزتها القمعية بشكل مستمر لا يمكن أن تكون قوية وهي معرضة للانهيار الداخلي في أية لحظة. لا يمكننا مثلًا عد الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية التي تساقطت تباعًا كما تتساقط قطع الدومينو بأنها دولاً قوية، إن الدولة القوية هي التي تستطيع فرض إيديولوجيتها من غير أن تستخدم الهراوة وهذا ينبع من أمر مهم/ أن الإيديولوجية التي تريد فرضها الدولة هي إيديولوجية "الأغلبية" -أو يعتقد الشعب أنها كذلك على الأقل- ففي هذه الحالة تنسجم الغالبية مع سياسة بلادهم الاقتصادية والاجتماعية -لا الخارجية، وبينما لا تستطيع الدولة الضارية أن تتعامل مع المجتمع إلا من خلال القسر وأدوات الإملاء فإن الدول القوية تكمل المجتمع ولا تناقضه ولا تظهر قوتها من خلال استخدامها للهراوة بل من خلال قدرتها على العمل مع مراكز القوى في المجتمع أو بدمج مراكز القوى في المجتمع في النظام، ولذلك الدول القوية تكون في العادة بمقدورها تنفيذ خطط التنمية، وأن يكون "كائن من كان" تحت سقف القانون لا فوقه وتجري عليه عقوباته وينال منه حقوقه لكن في الدول الضارية يغيب هذا المفهوم وتفقد السلطة قدرتها وليست فقط إرادتها على تنفيذ القانون وخطط التنمية؛ لأنها ستكون وصلت إلى مرحلة متقدمة من تغلغل الفساد وفتك سرطان شبكة "العلاقات الزبائنية" بجسد النظام حتى يفقد فاعليته.

رغم كل هذا الفساد ما زال السيسي يُخادع مُراهنًا علي الوقت والذاكرة ويسعي بكل ما أوتي من فُرصة أن يُحافظ علي دولته بشكل صوري مُزيف قابل للعرض المحلي والعالمي فقط ليتفرغ لتسديد فواتيره وإنهاء معاركه مع رجالات النظام القديم التي تُدار في قنوات مُغلقة ولم يُرَدْ لها أن تطفو على السطح الآن فبقاء صورة الدولة حتي وإن كانت هشة ضعيفة هو الضمانة الوحيدة والغطاء الذي يحتمي به السيسي ويستطيع أن يمارس قمعه و بطشه من خلاله، ولن يمانع أبدًا أن يُطبق سياسة الأرض المحروقة كي "يصل إلى ما يُريدُه" و ينجو بنفسه مهما كلفه ذلك من دماء.

لذلك أزعم أن السيسي لن يبني دولة فقد حَمَل مُقومات فشله قبل أن يبدأ وإن اليوم أو غدًا لا بد وأن الأرض ستَعتَمِل تحت قدميه ولن يصمُد طويلاً -صموده يتناسب عكسيًّا مع تطور الحراك النوعي إن استمر وزيادة نسبة المشاركين فيه عن المؤيدين له والنقاط التي ربما قد يكسبها الحراك على حساب مُعسكر الانقلاب- أما الوعود الزائفة التي خدع بها مؤيديه ليكسب الوقت فقط لا بد يومًا وستنتهي صلاحيتها، والمليارات التي تُضخ باسم مصر فحجبها لنفسه ليشتري بها ذِمَم مؤيديه ودعم رجاله لأطول فترة مُمكنه لا بد وسيجف منبعها يومًا، ووهم الاستثمارات التي يُخفي وراءها فشله وخيبته وعاره لن تُحدِث رخاءً ولا تنمية، لأن التنمية قرينة الاستقرار والاستقرار يكون مع العَدل والظُلم مؤذن بخراب العمران.

لكننا نحن المصريون "أهل خِفة و فرح و غفلة عن العواقب" كما وَصَفَنا ابن خلدون.

ذات يوم هَمَس الفيلسوف اليوناني "نيكوس كازانتزاكيس" عبر روايته "زوربا" إلي رئيسه قائلاً:
دع الناس مطمئنين أيها الرئيس لا تفتح أعينهم وإذا فتحت أعينهم، فما الذي سيرونه؟ بؤسهم! دعهم إذن مستمرين في أحلامهم! إلا إذا كان لديك عندما يفتحون أعينهم، عالم أفضل من عالم الظلمات الذي يعيشون فيه الآن.. ألديك هذا العالم؟!

"ألديك هذا العالم؟! " سيبقي هذا سؤالًا مُترددًا في أذهان كل المصريين الحالمين منهم من جَهَر بِه يومًا وما زال يدفع ثمن ذلك ومنهم من كَتَمه خشية البَطش و يومًا ما سيدفع ثمنًا باهظًا جرّاء صمته. و بين هذين اليومين أنا وأنت ننتظر والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.