المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبو بكر حمدي مشالي Headshot

غواية الحقيقة

تم النشر: تم التحديث:

مَن هو الانسان ومَن هو المجرم؟
وهل الحد الفاصل بينهما واضحٌ لهذا الحد؟!
وهل الانسان المجرم هو شر ممتد؟! أم إنه حظه السيء وغضب لحظة فقط؟!
و مَن هو الذي يستطيع تحديد وتأطير إنسان ما لهذا الحد؟!

جاء فيلم "Labor day " "عيد العمال" للمخرج الكندي المبدع "جانسون ريتمان" مقتبساً عن رواية بنفس الاسم للكاتبة الأمريكية "جويس ماينارد" جاء الفيلم ليطرح هذه الأربعة أسئلة بعمق وتجربة تخوضها امرأة وحيدة و طفلها مع سجين هارب التقت به صدفة في أحد مراكز التسوق وكان حينها جريحاً فقررت أن تساعده, وهو المتهم بقتل زوجته في عشرينيات عمره، هذا الرجل الذي يجسّد شخصيته الممثل المتألق "جوش برولين" يدخل بيت امرأة حزينة فيحرِّك الحياة فيها ولدى ابنها من جديد هارباً من العدالة العامة إلى العدالة الفردية والحب والأمل من جديد، هارباً من خطأ ارتكبه في لحظة غضب وطيش مراهق مع امرأة تخونه كل يوم ولا يدري هل طفله الذي ترميه له وتخرج كل يوم ويعتني وحده به له أم لا؟!

هذا الرجل سبق وأن دفع زوجته بعنف في ساعة غضب واحتقار منها على جزء حاد فماتت فوراً، دخل بيت هذه المرأة التي التقاها صدفة, هارباً مما ليس هو إلى كل ما هو هو، ليعلم الطفل هنري كيف يثق بالناس من جديد، وكيف أن المجرم ليس سوى إنسان صنعه خطؤه وصقل روحه أكثر، إنسان يخبره كيف هرب ببساطة من السجن لأنه أخبر الحارس بالحقيقة، قال له اذا ذهبت لتدخن فسأخرج من النافذة وفعل لأن الحارس لم يأخذه على محمل الجد، خاتماً حديثه بهذه العبارة الدقيقة المرعبة "لا شيء يُضلل الناس كالحقيقة"، العبارة التي استخدمها هنري حين قررت أمه الهرب مع هذا السجين خارج البلاد.

ذهبت أديل "كيت وينسليت" إلى البنك لسحب كل أموالها قبل أن تهرب، فتشكك فيها الموظف وسألها إن كانت تمر بمشاكل, لأن لا أحد يطلب كل ذلك المبلغ دفعة واحدة فيرد الطفل هنري بالحقيقة قائلاً "إننا نطلبه لأننا سنهرب عبر الحدود, كما في أحد الافلام"، فيضحك الموظف ويكمل لهما الإجراءات.

تحصل أمور أخرى تجعل وضعه مكشوفاً مع تكرار تردد الشرطة على المنزل، فيقرر أن يخرجهما من أي إشكال ويجعل الأمر يبدو كاختطاف ويسلم نفسه للشرطة ويغيب عنها خمس عشرة سنة اخرى وهو يقول لها سيتطلب مني الأمر عشرين سنة لأقضي معكِ ثلاث ليالٍ أخرى، والمرأة التي آمنت بالحب تغلق بيتها عليها من جديد وتنتظر، ليخرج قبل وقته بسنوات ويجدها في انتظاره، تحبه كما أول ليلة التقيا فيها، وهو الذي قال لها عندما حكت له عن أزمتها "جئت لإنقاذكِ أديل".

فيلم ملهم يضعك بين عاطفتين, شغف لا ينقطع وحيرة لا تكاد تنفك منها، كان أداء المرأة "كيت وينسليت" والرجل "جوش برولين" والطفل "غاتلن غريفيث" فيه رائعاً، ذلك الخوف والعزلة التي تحيط بها حياتها بعيداً عن الرجال والمجتمع وذلك الطفل الذي يجد رجلاً أخيراً يمكنه أن يثق به و يعامله كوالده، هذه الأسرة التي جمعتها الصدفة وقوى عودها العاطفة والصدق والحقيقة بعد أن حرر السجن عاطفة هذا الرجل الذي كان صريحاً مع السجّان أكثر مما يجب.

نستطيع أن نفتح قوساً الآن ونقول "إن الانسان الحقيقي هو صنيعة الأخطاء المرتكبة بنزاهة وقلق, فمن كان منكم بلا خطأ فليلقم أخطاء الآخرين بحجر", الإنسان الحقيقي هو الذي يعترف بأخطائه كل يوم ويرتكب المزيد في ذات اليوم, هو الذي يمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء ولا تعنيه نظرة المجتمع له على أنه متورط بالذنب مسكون بالعار, هو الحريص على تنقية ضميره بالخطأ وتصحيحه, بالذنب و التوبة عنه, فلا أحد يملك أن يدّعي ألوهية فعله أو عصمته عن الخطأ.

نهاية أختم بما قاله الفيلسوف الطبيب مصطفى محمود أن "الواقع كثيراً ما يكذب وحواسنا كثيراً ما تُضللُنا" فالحقيقة كثيراً ما تغوينا و الزيف يغوينا أكثر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.