المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبو بكر حمدي مشالي Headshot

هراء فاخر للبيع

تم النشر: تم التحديث:

التنمية البشرية هكذا قالوا ومازالوا يقولون

محض خدعة قائمة على الإيحاء والمجهول والحلم الزائف، كُتباً كانت أو محاضرات لا شيء مختلف، كلاهما يحاول استغلال شغفك ورغبتك تجاه كل ما هو غامض ولامع، يداعب خيالك بأن ثمة أموراً محددة وسهلة جداً ستقودك إلى النجاح والثراء والعظمة لو اقتفيت أثرها، ورغم أن القائل ليس ثرياً ولا ناجحاً ولا عظيماً في نفسه، لكنه مطلوب منك أن تتجاهل فشله في تحقيق ذلك لنفسه وتصدق كلامه وتعمل به.

شخصياً لا أقرأ هذا النوع من الكتب ولا أصدق الفكرة التي تقوم عليها هذه الدورات، ولا أثق بها، فكل من يدعي الإحاطة بالنفس البشرية ومعرفة دواخلها وتعليبها في قوالب أو ترويضها وتهذيبها بعامل خارجي كله هراء وعبث، لا يختلف عن خطاب الوعظ والدروشة، أنا مع الفلسفة والفن والأدب، أنا مع الذين لا يؤمنون بالمدارس ولا بالقديسين ولا بالسلطات، أنا مع الحياة، الحياة مُعلِماً وفقط.

كل ما يفعله هؤلاء المدربون هو أنهم يستثمرون كسلك ويستغلون رغبتك الدائمة في الصعود سريعاً، فكل ما يجودون به هراء فاخر يمكنه أن يوضع بين دفتي كتاب ذي غلاف جذاب معقوداً عليه شريطة حمراء تستقبلك به المكتبات أو عنواناً ساحراً لندوة في الجامعة أو إعلاناً مضيئاً عن دورة أو تعريفاً بشخص في الفضائيات "مدرب/خبير/عالم" يفوتك أن تعرف أن كل هؤلاء كما نقول نحن المصريين: "يبيعوا الهوا في أزايز".

كل مَن يكتبون من أجل تحصيل الربح وإحراز الشهرة ليسوا كتاباً، هؤلاء تجار امتهنوا الكتابة وحولوها الى سلعة رخيصة قابلة للمساومة، وكلما كان الغلاف ملوناً وذو بريق كلما كان أكثر مبيعاً، فضلاً عن أن الكاتب كلما كان مشهوراً تسابق القُرّاء لاقتناء كُتُبِه، أصبحنا نكترث لشخص الكاتب وتغرينا حجم مبيعاته أكثر من اكتراثنا لما يكتبه، وفي هذا السياق أذكر أن لاعب المنتخب الايطالي فرانشيسكو توتي دَوَّن مسيرة حياته في كتاب وباع منه مليون نسخة خلال أسبوع وغيره الكثير من الممثلين وعارضات الأزياء.

ما إن تفرغ من قراءة الكتاب أو ينتهي انعقاد الدورة و"تدّوَر جوا ذاتك أهراماتك واللي عليّ السد" ستجد نفسك مجوفاً وخاوياً إلا من الوهم والزيف وندب الحظ وخيبة الأمل، لأن القوة التي لا تتحدث من داخلنا وتتخلق في ذواتنا التي نعرفها جيداً، فتضربنا على أيدينا وتصرخ في وجوهنا فتدفعنا للإصرار ومجابهة ضعفنا بكل الطرق جرأة وشجاعة وتحدياً لا يمكن صناعتها بآلاف القصص والمواعظ من الخارج مهما أوهموك بذلك.

أستطيع أن أفتح قوساً الآن وأقول أن كل من يسعي وراء المعرفة وينشد الحكمة ويبحث عن التطوير لذاته، يجدر به أن يتجه إلى المنبع، والمنبع ليس دورة تنمية بشرية ولا برمجة عصبية ولا مدربين ولا خبراء، المنبع هو الحياة، خوض غمار التجربة، الممارسة والتحدي، أن تصعد بنفسك قمماً لا تستطيعها حتى إذا وصلت لقمة وجدتها غير كافية فتطلعت لما هو أعلى، كُن وجه نفسك الحقيقي لا قناعها الزائف.

استميت في ممارسة الحياة والتحقيق معها، حتى إذا ضاق بك درب سلكت آخر وإذا اجتمع الناس حول كذبة كن أنت الشخص الذي يصرخ في وجوههم معترضاً، شُق بصوتك هذا الهراء وهذه اليقينية الساذجة، كن رجلاً يملك قناعة تامة لأن يقول نعم كما يملك شجاعة وصلاحية لأن يقول لا، ولو على سبيل العناد والتمرد.

نهاية أقول: لا يمكنك أن تخسر شيئاً بينما تقرأ، فالقراءة رحابة وسِعة تجعلك تَكثُر, والكتب جزء من هذه الحياة، ارتقاء بها ومحاولة جادة لفهمها والوقوف على حقيقتها، لكنها ليست كل شيء، إننا بالحياة الحقيقية نندهش ونجرب ونتألم ونكتشف مهارات لا يمكن أن تمنحها لنا الكتب، لكنها تمنح الإلهام لها والشغف تجاهها والرغبة فيها والحكمة إزاءها، إنها تضفي عليك شعوراً روحانياً بالأبدية والتجلي والنور فلا تفسد هذا الشعور بإقحام نفسك وتبديد مالك في هذا الهراء الفاخر المسمى دورات "التنمية البشرية".

إن حدث واحتفيت به فليكن على سبيل الاكتشاف والتحقيق لمرة واحدة حتى تقف على حقيقته بنفسك، وربما تقع عينك على شيء قد فاتني ويستحق أن تحتفي به، فالتعميم في كل الأمور جهل، وبين ما هو هراء ما هو جدير بالقراءة والبحث والمتابعة، أحسِن اختيار ما تقرأ كي لا تميت العالم الحقيقي بداخلك؛ لأنك حين تفرغ من قراءة كتاب لن تعود أبداً الشخص الذي كنته قبل القراءة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.