المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبرار البار Headshot

إقامتي في كندا.. هل تغنيني عن المملكة السعودية؟

تم النشر: تم التحديث:

سؤال يُطرح على مسامعي منذ رجوعي من كندا، في كل مجلسٍ ومحفل، بالتصريح وبالتلميح، وجهاراً وبالهمس، وليلاً ونهاراً، ممن أعرف من القريبات والصديقات، وممن لا أعرف، ومن يسمع عني أو يراني لأول مرة ويعرف أني قضيت من عمري عشر سنوات في كندا؛ ليقفز هذا السؤال في وجهي ويلاحقني عشرات المرات:


أتفضلين العيش هنا أم هناك؟
هل تمنيت الرجوع؟
أما ندمت على تركك كندا؟

ويبلغُ الحماس ببعض مَن يسأل أن يقفز على حق الرد الذي وهبه لي الله يوم خلق لي اللسان، فيجيب عني وينطق: أكيد هناك.. طبعاً.. طبعاً.

وأجيبُ أنا في كل مرة نفس الإجابة:

أحسبُ أني أكثر أفراد أسرتي استمتاعاً بالأوقات التي قضيناها هناك، وأني عشت في فانكوفر - أجمل مدن العالم - بكل حب لتفاصيل يومي هناك، وأني تألمت وتعلمت وتفتحت على ثقافات وخبرات وصداقات ما كنت لأحظى بربعها لو بقيت في بلدي، وكان أول ما أنتجه قلمي هو كتابٌ عن حياتي ويومياتي في كندا، وأني مع أطفالي الأربعة في أعمارهم ومدارسهم المختلفة حظينا بصحبة طيبة منوعة الأصول من الشعب الكندي، وكذلك من الجالية المسلمة التي عرفنا معها حلاوة الوحدة الدينية، وكانت هذه من نعم الله تعالى الكبرى علينا، وأني مع صديقاتي الرائعات هناك أفلحت لحد ما في غرس حب الله تعالى وحب العلم وحب الناس والحياة في قلوب أطفالي.

وكانت لي هناك سيارتي الخاصة أتنقل بها أينما شئت ومتى ما رغبت، ورجعت لمدينتي "جدة" أعاني من مشكلات المواصلات كل يومٍ ما أعاني.


الحقيقة

أقول بصدقٍ إنني أحلمُ وأتمنى العودة لفانكوفر في أقرب فرصة أجدد العهد بصديقاتي، وأروي حنين الذكريات الجميلة في زيارة قصيرة وأعود.

أما العودة للعيش في "فانكوفر" فهو أمر لا أرغب به، والسبب ببساطة هو فرق التربية والتعامل مع الأبناء المراهقين هنا وهناك.

فبداية من محاولات تثبيت مبدأ وجود خالق لهذا الكون، ومروراً بصراعٍ لتثبيت بعض القيم الإنسانية، فضلاً عن الإسلامية، وانتهاءً بمحاولة إيجاد وقتٍ عائلي عالي الجودة والحميمية في وسط نمط الحياة المتسارع ومع زحمة الواجبات من كل جهة ومكان، كل هذا وغيره مما تلقاه الأمهات المرابطات على ثغرة تربية الأبناء في المهجر زهَّدني في الرجوع لتلك المعاناة مرة ثانية؛ إذ إن التحديات التربوية تزداد صعوبة وخطورة مع كبر الأولاد هناك وتفتّح أعينهم في بيئة تموج بمختلف عواصف الأفكار والقيم أكثر بكثير مما هو الحال في المشرق العربي.

بين هناك.. وهنا

في سنوات أطفالي الأولى في الابتدائية كان من المسموح لي والمسموع مني مثلاً أن أقول لمعلمة ابني إنه لا يحتفل بعيد رأس السنة، أو إنه يأكل كذا ويمتنع عن كذا.

أما عندما انتقلت ابنتي للمدرسة الثانوية وحاولت نقاش إحدى معلماتها عما أؤمن به وأعتقده تجاه مسألة "الشذوذ الجنسي"، فقد وجدت تلك المعلمة تجاملني ببرود وتنهي الحديث باقتضاب، وهي تكتم ضحكةً ساخرةً على منطقي ولسان حالها يقول: "أحقاً تفكرين بهذه الطريقة؟ وأيضاً تريدين أن تكون ابنتك مثلك؟!".

في المجتمع الغربي تركيزٌ عالٍ جداً على ذات الفرد، والكلام في المدارس عن حقوق المراهقين وحريتهم في الحياة وفي اتخاذ القرارات المصيرية لا يقابله بذات القدر كلامٌ عن حق الوالدَين وأهمية معاملتهما بالحسنى.


هناك إن حاد فتى أو بنت عن طريق الهداية واختار طريقاً آخر بعلم أو دون علم الأهل، فأقصى ما يمكنني عمله وقلبي يتألم على حاله هو الدعاء له، وأستبعد تماماً أي فكرة أخرى لأن أي حل هو محفوفٌ بمخاطر أخرى قد تزيد الوضع تعقيداً.

في كندا وجدت تربيتي وتعاملي مع أولادي المراهقين معركة غير متكافئة الأطراف، ففي الوقت الذي أتحمل فيه مسؤولية البيت والزوج وأكثر من طفل، يتفوق أطفالي عليَّ بمسؤولية أقل ووقتٍ أكثر، وإتقانٍ أكثر للغة الإنكليزية وفهم أسرع لما يقع حولهم من أحداث في هذا المجتمع المتعدد الواسع، ويقضون في المدرسة عدد ساعاتٍ لا أملك مع طولها الإحاطة بكل ما يصل لأبصارهم وأسماعهم لما عايشوا فيها، وفوق هذا كله هناك معلمون وإدارة وأهالي أطفال منوعون في النظرة للحياة والتعاطي مع مبادئها الدينية والإنسانية وغير ذلك، وعليَّ مهمة "فلترة" ما يصلح وما لا يصلح لنا بشكل يومي، وهذه مهمة تزداد عُسراً مع كل يوم يكبر فيه أولادي.

هنا في الدول العربية ما زالت التربية صعبة للغاية، وجهاداً ما بعده جهاد في زمن الانفتاح، وأطفالي هم أطفال عاديون مثل باقي هذا الجيل الذي غزته الثقافة الغربية حتى النخاع، وأنا معهم كما كان حالي هناك، أجاهد وأستميت في تعليمهم الصلاة، وحثّهم على الأخلاق الفاضلة، وحب العلم، والصدق، والأمانة.. إلخ.

وأشنّع عليهم تارة اهتمامهم بالتافهين في الإعلام، وتارة أجاملهم وأجاريهم في سماع هذه الاهتمامات لعلي أنفذ منها لعقولهم وقلوبهم.

وأقلق ممن حولهم من الأصدقاء هنا أو في الفضاء المفتوح، وأقلق أكثر مما لا أعرفه يحدث خلف ظهري وعلمي.

لكن الفرق أني وجدت هنا بعض الأرضية المشتركة، وشيئاً من التوافق يجمعني بإمام مسجد الحي والمرشد الطلابي في المدرسة ومعلم الدين ووالد أو والدة أحد أصدقاء وزملاء فصلهم.

ولا أعدم أحداً -بفضل الله عليّ- من أهلي أو أهل زوجي يقف معي في نفس الدائرة، أو قريباً منها، يحمل نفس القيم والمبادئ التي أؤمن بها أو قريباً منها.

باختصار.. هنا مصادر التأثير الدينية والتربوية على المراهقين أكثر، ومتنوعة، وتستطيع الأم بشيء من الذكاء وببعض الجهد إيجاد وخلق بيئة داعمةٍ لأفكارها لحد ما.

على عكس الحال هناك التي تجد الأم نفسها في أوقات مراهقة أطفالها كريشة في مهب الريح.

من وحي الصورة

في كندا حظِيَ أطفالي برحلات مدرسية تعليمية وترفيهية منوعة وكثيرة ومؤثرة في الجانب الإيجابي الذي أرتضيه لهم.. لكن.. لم أجد أجمل من رحلة العمرة السنوية التي تنظمها مدارس أولادي الثلاثة في جدة كل عام.. زيارة الحرم الشريف بصحبة أصدقاء الطفولة، وسماع كلام المعلم حول حب الله وحب مكة وحب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ذكرى تربوية مؤثرة جداً في النفوس، ونعمة وفضلٌ من الله كبير، أسأل الله تعالى أن يعينني على شكر هذه النعمة والقيام بحقها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.