المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم كالين Headshot

التطرُّف العنيف: كيف تحارب الوحوش دون أن تصبح أحدها

تم النشر: تم التحديث:

التطرُّف العنيف ظاهرة عالمية وله أسباب عديدة. يمكن أن تدفع إليه أفكار دينية أو علمانية أو قومية، كما يرتبط كذلك بالظروف الاجتماعية السياسية التي يتفاعل في ظلِّها الأفراد مع ما يعِدُّونه قمعاً أو ظلماً كبيراً. تلعب الحروب والصراعات الطاحنة والحروب الأهلية والعداوات القبَلية والدول الفاشلة ومجموعة من عوامل أخرى دوراً في ظهور التطرُّف العنيف وانتشاره. هناك أكثر من سبب واحد لنشأة التطرُّف العنيف ونحن بحاجةٍ إلى تبنِّي منهج متكامل من أجل فهم أسبابه والعمل على مستويات متعدِّدة من أجل احتوائه ومنعه.

يتطلَّب مثل هذا المنهج العمل على مستويين بالأساس، وهُما: مستوى الأفكار، ومستوى الحقائق. إنَّ فكرة التطرُّف العنيف قوة دافعة لمختلف الجماعات الإرهابية، من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وحزب العمال الكردستاني، إلى منظمة «إيتا» والقوميين البوذيين المعادين للمسلمين في ميانمار. تتطلَّب محاربتهم معركة أفكار؛ إذ تُرفَض محاولات تبرير الأساليب الإرهابية بناءً على مصادر حقيقية ورسمية. في حالة «داعش»، فقد كشف المثقَّفون المسلمون والقادة الدينيون زيف أيديولوجيتها المتطرِّفة وأوضحوا بطلان منطقها. هناك مثال جيد على هذا الجهد، وهو الخطاب الذي أرسله عدد كبير من الأكاديميين والمثقَّفين المسلمين البارزين عام 2014 إلى زعيم «داعش» أبي بكر البغدادي. وقد رفض العديد من القادة المحليين والمثقَّفين الآخرين أيديولوجية «داعش» المتطرِّفة ومحاولاتها العبثية في تبرير أيديولوجيتها الهمجية.

ولكن رفض الأساس المنهجي الذي تستند إليه «داعش» ليس كافياً، فعلى المرء توضيح كيفية تشويهها رسالة الإسلام الجوهرية وسرقتها لصالحها. إنَّ أيديولوجية «داعش» وممارساتها مضادة لمعتقدات أكثر من 1.7 مليار مسلم حول العالم وأسلوب حياتهم، ولكن هناك مجموعة صغيرة من المتطرِّفين ما زالت قادرة على إساءة استخدام الدين في تبرير وحشيتها. من الواضح أنَّ هذه ليست مشكلة إسلامية على نحوٍ خاص، فقد خضعت اليهودية والمسيحية والبوذية وأديان أخرى لتأويلات متطرِّفة وانتهاكات مشابهة. لقد نفَّذ الكثيرون أفعالًا إرهابية باسم دينهم، أو وطنهم و/أو أيديولوجيتهم، من «باروخ جولدشتاين» حتى «آندريس بريفيك».

إنَّ سؤال (كيف نحمي الدين من المتطرِّفين الذين يشوِّهونه؟) هو سؤالٌ ضروري لكل التقاليد الدينية. هل المبادئ المقدَّسة في المصادر التشريعية كافية لمنع التأويلات المتطرِّفة؟ ما المبادئ المنهجية التي تحافظ على طريق الإسلام الوسطي وتخاطب مسائل العدالة والسلام والحرية في المجتمعات المسلمة المعاصرة؟

تحتوي التقاليد القانونية والفكرية الإسلامية على الموارد اللازمة لانبثاق التطرُّف العنيف. يمتلئ التاريخ الثقافي والاجتماعي الإسلامي بأمثلة على كيفية تغذية ثقافة السلام والتسامح وتعزيزها من بغداد وسمرقند وأصفهان حتى إسطنبول وسراييفو وقرطبة.

على المثقَّفين المسلمين والقادة الدينيين اليوم العثور على طرق جديدة ومبدِعة لمنع الشباب من السقوط في أيادي المتطرِّفين العُنُف سواء كان ذلك في العواصم الأوروبية أو المدن المسلمة. تكمُن المشكلة في أنَّ هذه الرسالة عادةً ما تضيع بين أطراف النظام العالمي الحالي.

يقودني هذا إلى معركة الحقائق على أرض الواقع. لقد أحدثت الحروب العنيفة والاحتلال في التاريخ المعاصر بعض أعظم المآسي البشرية في الذاكرة البشرية. إنَّ إرث الاستعمار والحربين العالميتين واستخدام القنبلة الذرية وانتشار أسلحة الدمار الشامل والتطهير العرقي لمسلمي البوسنة في تسعينيات القرن الماضي والقتل الجماعي في إفريقيا، هي قلة قليلة من الكوارث العالمية التي قد أدَّت إلى موت ملايين الناس حول العالم. لقد صنعت آثارهم طويلة المدى نزعات تطرُّف ومغالاة تستدعي سوبرمان «نيتشه» وأرض «إليوت» اليباب و1984 «أورويل». السمة المشتركة بينهم هي حس الوجود في حالة حرب أبدية.

هذا هو نفس الحس الذي يشعر به السوريون اليوم في مواجهة حرب نظام الأسد الإجرامية الوحشية. يستغل إرهابيو «داعش» والآخرون الحرب السورية لنشر أيديولوجيتهم المتطرِّفة وتجنيد أعضاء جدد. لقد أصبحت الحرب في سوريا الآن أداة مفيدة لأي مجموعة ودولة ترغب في فرض سياستها على منطقة الشام. إنها زينة في مسرحية للقوى العالمية ليست فقط وحشية وغير مسؤولة، ولكنَّها أيضاً مكلفة وخطِرة على أمن الجميع من الشرق الأوسط إلى أوروبا والولايات المتحدة. ما دام نظام الأسد في السُلطة وداعموه مستمرِّين في طحن سوريا لصالحهم، ستجد «داعش» وشبيهاتها الفوضى والدمار أدوات مناسبة لنشر تطرُّفهم العنيف.

ولكن «داعش» مجرَّد عرَض لمشكلة أكبر، مشكلة تقع في قلب نزعات التطرُّف في العالم المعاصر، فشل النظام الدولي، وحس اليأس والعدمية، والظلم السياسي والاقتصادي، والعلاقة المضطربة بين التقاليد والحداثة.

يمكن أن تسعى داعش، مثل كل الحركات المتطرِّفة، دينيةً كانت أم علمانية، وراء تبرير تطرُّفها بالإحالة إلى مصادر إسلامية مثل القرآن أو حياة النبي محمد. وكما يشير الكثير من المفكِّرين والمثقَّفين المسلمين، يمكن استغلال منهجية مضلّلة وأيديولوجية في غير محلها من أجل تشويه أي نص ديني وسلف تاريخي. تُسيء القاعدة، و«بوكو حرام»، و«داعش» استخدام المراجع والمصادر الدينية من أجل خلق أيديولوجية متطرِّفة.

ربما يقتبس أعضاء «داعش» آيات من القرآن أو يصيحون «الله أكبر!» ولكن لا يجعل هذا من أفعالهم دينية أو مُقدَّسة. يحذِّر القرآن نفسه من أولئك الذين يحاولون التلاعب بأوامر الله من أجل مصالحهم الخاصة. إنَّ «داعش» مثال نموذجي على المنظمة العنيفة الساعية وراء القوة التي تستخدم تبريراً دينياً ولكنَّها تفشل في النهاية في الاتساق المنطقي والسلطة الدينية.

النقطة الحاسمة هي أنَّ التطرُّف ليس ظاهرة دينية بالضرورة أو حصراً، إذ لا يحتاج في نشأته إلى الدين. فهو ينتقل مثل الوباء من مكانٍ إلى آخر ويتَّخذ أشكالاً علمانية ودينية وقومية وقبَلية. لا يكون الأمر في العديد من الحالات تحوُّل بعض الأفراد المسلمين فجأةً إلى الراديكالية و/أو التطرُّف، بل انتشار التطرُّف العنيف بينهم واتِّخاذه نغمةً دينية.

من غير المنطقي قصر التطرُّف على حوادث القتل العنيفة فقط. ينبغي وقف حوادث القتل هذه، مثل تلك التي ارتكبتها «داعش» مؤخرّاً على سبيل المثال، ولكن ليس علينا الانشغال عن الصورة الكبيرة هنا: فنحن نعيش في عصر النزعات المتطرِّفة حيث لا يكون فعل شيء بطريقةٍ وسط ومعتدلة أمراً (رائعاً) ولا يُعَد معياراً مثالياً. يدفع نظام العلاقات الاقتصادية والسياسية الحالي الناس نحو الهوامش والأطراف البعيدة بطرقٍ ملحوظة ولا واعية.

في معظم حالات التطرُّف الوليد، يكون هناك خيط رفيع بين اتِّخاذ موقف راديكالي وحازم لمناصرة العدالة، والتعثُّر والوقوع في التطرُّف. هناك أماكن لا يمكن للمرء فيها سوى أن يكون راديكالياً ومتصلِّباً: عندما يكون عليك واجب حماية النساء والأطفال، وحقوق الإنسان، وحقوق الأقليات، ومحاربة استعمار بلادك ومحاربة الإرهاب. ولكن حيث تنتهي هذه (الراديكالية) المبرَّرة ويبدأ التطرُّف العنيف، تصبح الأمور حرجةً وحسَّاسة.

نحتاج عند هذه النقطة إلى إعادة تقييم أولوياتنا العصرية والتشكُّك النقدي في الاتجاه العام لوضع البشرية الحالي. سيكون رفض التطرُّف بكل أشكاله، سواء كان إرهاب «داعش» أو القتل الطائفي أو حوادث إطلاق النار على المدارس أو العنف في هوليوود، خطوةً أولى في الاتجاه الصحيح.

تكمُن الخدعة في أن تحارب الوحوش دون أن تصبح أحدها.

دول فاشلة وحكومات ضعيفة: خطرٌ عالمي

هناك أسباب متعدِّدة لانتشار التطرُّف العنيف، ولكن هناك عامل رئيس وهو حقيقة الدول الفاشلة والضعيفة.

تُعرَّف الدولة الفاشلة عادةً بأنَّها دولة غير قادرة على توفير الأمن والخدمات الأساسية لمواطنيها. يخلق غياب سلطة مركزية قوية مشاكل حادة، ليس فقط لمواطني ذلك البلد، وإنما لجيرانها كذلك. تلوم كلٌ من أفغانستان وباكستان الأخرى على الفوضى والإرهاب على حدودهما المشتركة، ولكن الحقيقة أنَّ كلتيهما تفشل في ترسيخ النظام والأمن في كل أراضيها، وإن كان بدرجاتٍ مختلفة. يُصعِّب كلٌ من الفقر والجهل والتحديات الجغرافية والولاء القبَلي/الطائفي على تلك الدول فرض القانون.

يتضاعف الخطر الذي تمثِّله الدول الفاشلة والضعيفة على النظام العالمي والإقليمي بفعل عولمة المشاكل المحلية. يُمهِّد غياب مؤسَّسات الحكومة الفاعلة الطريق أمام الاضطرابات وغياب القانون والإرهاب. العاقبة الأكثر تدميراً هي فقد الثقة في الدولة وحُكم القانون. من الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى سيراليون وهايتي، تنمو مشاكل الدولة الضعيفة و/أو الفاشلة بفضل سياسات الفاعلين الإقليميين والعالميين غير المفيدة.

منذ تسعينيات القرن الماضي، قُتِل ما يُقدَّر بعشرة ملايين شخص، معظمهم من المدنيين، في الحروب في الدول الفاشلة أو بين بعضها البعض في أنحاء العالم. إنَّ حوادث الموت والدمار المرتبطة بالدول الفاشلة والضعيفة ضخمة بكل المقاييس، مقارنةً بالهجمات الإرهابية الفردية التي تجذب انتباه وسائل الإعلام العالمية كل فترة.

منذ بدأت الثورات الشعبية العربية عام 2011، ظهرت مشكلة جديدة: الإدارة الحكومية. تفتقر حوالي نصف دستة من الدول في العالم العربي اليوم إلى هيكل حكومي قوي، أو تديرها حكومات ممزَّقة وضعيفة. لقد انهارت مؤسَّسات الدولة في سوريا وليبيا، مؤديةً إلى حرب أهلية وقتال طاحن. الحكومة المركزية في اليمن والصومال ضعيفة للغاية وغير قادرة على فرض سلطتها. العراق تحاول التعافي ولكن تسيطر «داعش» على حوالي ثُلث أراضيها. ولم تكد لبنان تحظى بأي هيكل حكومي قوي منذ نهاية الحرب الأهلية.

وخارج العالم العربي، فإنَّ دولاً مثل هايتي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبنجلاديش عالقة في منطقة الخطر، أي أنَّها دول فاشلة، رغم أنَّ لكل منها ظروفها الفريدة.

يعاني مواطنو تلك البلاد من عواقب انعدام الأمان والفوضى والفقر والصراع الداخلي. ولكن يمتدّ الخطر إلى النظام الإقليمي والعالمي. يعتمد النظام العالمي الحالي على دول أممية فردية في ترسيخ السلام والأمن في أراضيها الخاصة. يعيق فشلها في فعل ذلك كلًا من النظام الإقليمي والعالمي.

لا نبالغ حينما نذكر أثر الدول الفاشلة والضعيفة على ظهور الإرهاب وتمويله وانتشاره. لقد أصبحت «داعش» منظمة إرهابية قوية بسبب سياسات نظام الأسد الانتحارية التي حوَّلت الأراضي السورية غير الخاضعة للإدارة الحكومية إلى تربة خصبة للمُسلَّحين. لقد مكَّن غياب حكومة مركزية قوية في العراق، إضافةً إلى سياسات المالكي الخلافية والطائفية، «داعش» من السيطرة على أراض استراتيجية هامة في العراق.

لا يأتي الإرهابيون بالضرورة من الدول الفاشلة فقط. إنَّ الإرهاب محلِّي النشأة في الأمم الغنية نتيجة مجموعة معقَّدة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكنّ هناك أمراً واحداً واضحاً وهو: حيث تفشل مؤسَّسات الدولة، تسد الجماعات الإرهابية وأمراء الحروب الفجوة.

لا يمكن للرموز السياسية المسؤولة والمجتمعات المدنية والقادة الدينيين تغيير مسار الأحداث في بلادهم في مواجهة دول فاشلة وحكومات ضعيفة. وببساطة، تغيب هذه الحقيقة الجوهرية عمّن يتَّهم المسلمين من الغرب بعدم إدانة الإرهاب، فالرموز الدينية والقادة المحليون يدينون بالفعل التطرُّف العنيف والإرهاب ولكنَّهم يعانون من نفس عواقب الدول الفاشلة والضعيفة.

لقد أسهم إرث الاستعمار والمشاكل القومية/المحلية وظلم النظام العالمي الحالي المنهجي في ظهور الدول الفاشلة في القرن الحادي والعشرين. وتزيد سياسات الدول القوية الخلافية ذاتية التمركز والفاعلون (من غير الدول) حدّة المشكلة.
العالم بحاجة إلى استراتيجية جديدة لمواجهة «داعش»
إنَّ الهجمات الإرهابية الأخيرة في أنقرة، وإسطنبول، وبغداد، وبروكسل، وباكستان قد كشفت، مرةً أخرى، الطبيعة الهشَّة التي يتسم بها العالم الذي نعيش فيه. لكنها أيضاً تبرز الحاجة الملحَّة لوضع سياسات جديدة لمواجهة التطرف العنيف والإرهاب بجميع أشكاله.

ثمَّة ثلاثة دروس رئيسة يمكن استخلاصها هنا: أولاً وقبل كل شيء، ينبغي مراجعة استراتيجية مكافحة «داعش» بالكامل. ليس هناك من شك في أنَّ هذا الخطر لا بد من تدميره؛ فينبغي أن تعمل الدول الإسلامية والغربية معاً للقضاء على «داعش»، وتنظيم القاعدة، والمنظمات الإرهابية المماثلة، سواء أكانت في سوريا، أو العراق، أو الصومال، أو فرنسا، أو وبلجيكا. لكن الاستراتيجية الحالية، والتي ركزت في المقام الأول على قصف أهداف «داعش» في سوريا والعراق بالطائرات، قد فشلت في أن تُثني «داعش» عن ضرب سوريا، وتركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة الأميركية. ولا يؤدي استمرار الحرب في سوريا إلا إلى تغذية وحش «داعش». كلما تركنا هذه الحرب مشتعلةً، سوف يصبح تنظيم «داعش» الإرهابي أكثر فتكاً؛ فدون الحرب في سوريا والمشكلات الأمنية والسياسية العميقة في العراق، لم تكُن شبكة «داعش» وتأثيرها ليصلا إلى مستواهما الحالي.
ينبغي ألَّا يُنسينا إرهاب «داعش» حقيقة أنَّ نظام الأسد قد قتل ما يقرب من 400 ألف شخص، أي أكثر من أيَّة منظمة إرهابية. وقد حوَّل نظام الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين ونازحين داخلياً. إنَّ تجاهل هذه الحقيقة الرهيبة باسم قتال «داعش» يُعمق الشعور بالاغتراب والحنق. ومن المفارقات إنَّ تأييد روسيا لنظام الأسد يضيف إلى «داعش» قوةً فوق قوة، وهو التنظيم نفسه الذي يرى الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 ومستوى الدعم الحالي للأسد مبرراً لوجوده.

وثانياً: ليس ثمَّة إرهابيون جيدون وآخرون سيئون. بغض النظر عن الدوافع العرقية، أو الدينية، أو السياسية، الإرهاب هو الإرهاب في كل مكان. ضربٌ من التناقض والكيل بمكيالين أخلاقيين أن يُعامل «داعش» باعتباره منظمة إرهابية نفَّذت هجمات في باريس وبروكسل، بينما لا يُعامل بالطريقة ذاتها حزب العمال الكردستاني الذي نفَّذ هجمات في أنقرة مرتين أثناء الشهرين الماضيين فحسب. وبسماحها لحزب العمال الكردستاني بالتلاعب بالنظام في أوروبا، تفشل دول الاتحاد الأوروبي في تجاوز اختبار اتساق أهداف معركتها ضد الإرهاب. إنَّ الإرهاب الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني لا يمكن تبريره باسم مكافحة «داعش» في سوريا. فكما تظهر الهجمات التي نُفِذت في أنقرة وإسطنبول مؤخراً، إنَّ «داعش» وحزب العمال الكردستاني متوحدان في عملياتهما الإرهابية الموجهة ضد تركيا، مع أنَّهما يحملان خلفيات أيديولوجية سياسية متناقضة.

في هذه المرحلة، تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون ضد الإرهاب هو المفتاح لمنع تكرار حوادث مثل هذه في المستقبل. لقد أصبح من الواضح بعد هجومات بروكسل أنَّ السلطات البلجيكية قد فشلت في استخدام المعلومات الاستخباراتية التي قدمتها تركيا عبر مذكرة رسمية تفيد بأنَّ إبراهيم البكراوي -أحد الانتحاريين الذين نفَّذوا الهجمات- كان إرهابياً أجنبياً؛ وأنَّه اعتقل أوَّل مرة في مدينة غازينتاب التركية ثم جرى ترحيله إلى هولندا في يونيو/حزيران 2015 بناءً على طلبه.

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، رحَّلت تركيا أكثر من ثلاثة آلاف شخص، ووضعت 37 ألفاً آخرين على قائمة الممنوعين من دخول البلاد يشتبه في علاقتهم بالإرهاب. ويأتي عددٌ كبير من هؤلاء الأشخاص من دول أوروبية.

ثالثاً: يعزز رد الفعل العنيف ضد المسلمين بعد كل هجومٍ إرهابيٍ موقف المتطرفين الذين يمارسون العنف؛ فلم يُضيع كارهو الإسلام في أوروبا وأميركا الوقت ليبدأوا على الفور في استخدام الهجمات الأخيرة لتعزيز المشاعر المعادية للمسلمين لخدمة أهدافهم السياسية. إنَّ تعريف الإسلام بأفعال بعض المسلمين يضر جهود مكافحة التطرف والعنف، كما أنَّه يؤدي إلى عزل الغالبية العظمى من المسلمين، ويساعد المتطرفين. ولا يساهم وضع الإسلام نفسه في لب الجدل بشأن الإرهاب في حل أيّة مشكلات سياسية ولا في زيادة أمننا. وعلاوةً على ذلك، لا يجنِّد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» مقاتليه استناداً إلى الدين فحسب، بل يتلاعب بالحقائق السياسية ويُجند صغار المجرمين، والمغامرين، وغير الأسوياء من كافة مناحي الحياة. العنف لا يحتاج إلى دينٍ لتبرير أفعاله.

وتبين لنا الأبحاث أنَّ المتطرفين اليمينيين قد قتلوا أناساً أكثر ممن قتلهم الإرهابيون الذين يحملون أسماء إسلامية. وما هو أسوأ من ذلك هو حقيقة أنَّ كراهية الإسلام والعنصرية الموجهة إلى المسلمين قد أصبحتا أرضاً لحشد كلٍ من اليمين المتطرف والأوساط اليسارية في الغرب. المجموعات المحافظة اليمينية المتطرفة تتذرَّع بالنقاء العرقي والديني في مواجهة مجتمعات الأقليات الإسلامية؛ بينما يلجأ النقاد الليبراليون اليساريون إلى النسوية والعلمانية، من بين أمور أخرى، لتشويه صورة المسلمين. ما يوحد هؤلاء الخصماء هو التنميط الجماعي الذي يمارسونه ضد الإسلام والمسلمين.

يقف المسلمون العاديون كل يومٍ بين مطرقة التطرف العنيف وسندان العنصرية الموجهة ضد المسلمين؛ فهم بذلك ضحايا من الجهتين. من جهة، إنهم يعانون من هجمات «داعش» الوحشية في أماكن، مثل سوريا والعراق، أسفر وقوع الأحداث فيها عن مقتل مسلمين أكثر بكثير من غير المسلمين. ومن جهةٍ أخرى، فإن كارهي الإسلام، الذين يستخدمون إرهاب «داعش» لإحراز مكاسب سياسية رخيصة بين مؤيدي الموجة المعادية للمسلمين، يضعون المسلمين العاديين للتمييز، والشعور بالذنب على إثمٍ لم يقترفوه، والعنصرية؛ وهي جرائم لا يجرؤ هؤلاء على ارتكابها ضد جماعات أخرى.

يُطلَب من المسلمين دائماً نبذ «داعش» وأمثالها؛ فيفعلون. ولكن لا يُسجَّل موقفهم هذا باعتباره حقيقةً، ولا يجد طريقه إلى التعليق السياسي اليومي باعتباره أمراً مُسلَّماً به. في كل مرة يقع حادث إرهابي، يتحوَّل المسلمون كافةً إلى مشتبهٍ بهم محتملين. ولكن الدرجة ذاتها من التشكيك لا يمارسها، في ألمانيا مثلاً، الألمان العاديون تجاه النازيين الجدد، ولا النرويجيون تجاه «أندريس بريفيك» (إرهابي يميني متطرف)، أو الأميركيون تجاه منظمة KKK الإرهابية و«تيموثي ماكفي» (إرهابي أميركي). يتم التعامل مع الإرهابيين الأوروبيين والأميركيين على أنهم إرهابيون فحسب، ولا يُذكر دينهم أو هوياتهم الثقافية إلا قليلاً.
التعددية و«المسألة الإسلامية» في أوروبا
وعند هذه النقطة، اسمحوا لي بأن أتناول بإيجاز قضية تُذكي نار المتطرفين في العالم الإسلامي، وهي العنصرية المعادية للمسلمين، وموجات كراهية المسلمين التي تُعزز قوة «داعش»، وتنظيم القاعدة، وما شابههما.

في مشهد مألوف للغاية، بعد كل هجوم إرهابي في الغرب، يتحوَّل النقاش إلى التعددية وماذا نفعل بشأن «المسألة الإسلامية».

في كتابها ذي النظرة الثاقبة بعنوان «بشأن المسألة الإسلامية» (On the Muslim Question)، تُطبّق أستاذ العلوم السياسية «آن نورتون» مفهوم كارل ماركس في «المسألة اليهودية» على الجدل الدائر حالياً بشأن الإسلام والمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة. بالنسبة لماركس، كانت «المسألة اليهودية» حالة اختبار لعصر التنوير. كان نجاح مشروع التنوير أو فشله يعتمد على قبول أو رفض اليهود في أوروبا الجديدة بوصفهم بشراً ومواطنين أحراراً ومساوين لغيرهم. وبغض النظر عن الخوف من الخضوع، والقهر، والقمع، والإصهار، كان من المفترض أن يكون اليهود جزءاً من المجتمع الأوروبي الجديد، رغم كونهم أقلية مشبوهة، تتعرَّض إلى الاضطهاد والملاحقة لعدة قرون. لقد كان من شأن المسألة اليهودية أن تفتح مساحات جديدة لتعدد الثقافات والتعايش في الغرب؛ ولكن، بدلاً من ذلك، انتهى بها المطاف لتصبح في قلب واحدة من أفظع الأحداث في التاريخ الأوروبي الحديث: الهولوكوست.

اليوم، يبدو أنَّ المسألة اليهودية قد حلَّ محلها «المسألة الإسلامية». تقول البروفيسور «نورتن» إنَّ ما هو على المحك في ما يخص «المسألة الإسلامية» ليس الإسلام والمسلمين في حد ذاتهما، ولكنه الغرب نفسه، وفِكرَه بشأن العقلانية، والحرية، والمساواة والعدالة، والتعددية. من اليمين المحافظ إلى اليسار الليبرالي، يُشكّل الجدلَ بشأن الإسلام مخاوف المجتمعات الغربية المتعلقة بالحياة الحضرية، والهجرة، والرأسمالية، والبطالة، والسياسات الحزبية، والجنس، والأعراق، والنزعات الاستهلاكية، والدين، والأخلاق، ومجموعة من القضايا الأخرى التي يُمكن أن تُنَاقَش بسهولة دون أيَّة إشارة إلى الإسلام والمسلمين، أو الشرق الأوسط. وبالتالي فإن المخاوف الاجتماعية والسياسية المتجذرة في المجتمعات الغربية تُقدم صورة مشوهة للإسلام والغرب كليهما، وتُسمِّم العلاقات -المتزعزعة أصلاً- بين الإسلام والغرب.

إنَّ الإشارة إلى الإسلام في مثل هذه المناقشات، تجلب قدراً من المتعة والراحة لمن يستخدمونها؛ لأنَّها تنقل المشكلة إلى «آخر» في عالم بعيد. إذاً، كان الفيلسوف الكندي «تشارلز تايلور» على حق حين قال إنَّ النقاش الدائر حالياً بشأن التعددية الثقافية في الدول الغربية أصبح نقاشاً بشأن الإسلام والمسلمين. ووفقاً لـ«تايلور»، أصبحت التعددية الثقافية مشتبهاً بها ومرتبطة بالإسلام لأنَّ «كل الأسباب، تقريباً، التي تؤدي إلى تحوُّل التسامح إلى ازدراءٍ تتصل بالإسلام».

بعد كل لحظة أزمة، يصبح «الإسلام» جزءاً من نقاشٍ غائمٍ بشأن مصير التعددية الثقافية. إنَّ التفكير الجمعي والقوالب النمطية يهيمنان على الخطاب السياسي والإعلامي الذي يتناول الهوية والروح الحقيقيتين اللتين من المفترض أن تتسم بهما أوروبا في مقابل المجتمعات الإسلامية.

وترد المجتمعات الإسلامية على ذلك بعقلية مشوهة وغائمة بالقدر نفسه. إنَّها تُطبِق التفكير الجمعي والقوالب النمطية نفسها على المجتمعات الغربية التي يشكون منها. لقد وصل انهيار التواصل العقلاني بين المجتمعات الإسلامية والغربية إلى مستويات مقلقة من الارتباك، والتعصب، وعدم الثقة. وفقاً لاستطلاع «غالوب» العالمي لعام 2007، «يقول المسلمون في جميع أنحاء العالم إنَّ الشيء الوحيد الذي يمكن للغرب القيام به لتحسين العلاقات مع مجتمعاتهم هو تحويل وجهات نظرهم بشأن المسلمين إلى اتجاهٍ أكثر اعتدالاً، واحترام الإسلام».

وتلاحظ دراسة أخرى أجراها في عام 2008 المنتدى الاقتصادي العالمي، ونشرت بعنوان «الإسلام والغرب: التقرير السنوي بشأن حالة الحوار»، تلاحظ أنَّ الغالبية العظمى من المسلمين يعتقدون أنَّ الغرب لا يحترم الإسلام، في الوقت نفسه الذي يحمل فيه العديد من الغربيين وجهة النظر المقابلة تماماً× وهي أنَّ الغربيين يحترمون المسلمين. إنَّ هذا التناقض لهو أمرٌ أكبر من فشل في التواصل. ثمَّة حاجة إلى الكثير من العمل هنا للتغلب على هذه الهاوية العقلية.

وبطريقة مماثلة، تنم ثقة الأوروبيين في نموذجهم الليبرالي التعددي للحياة الاجتماعية والسياسية عن شعور بالانفصال، إن لم تكن الغطرسة المطلقة. في عام 2007، قالت «لويز أربور»، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان آنذاك، إنَّ «التعصب والتحيز، وخاصة تجاه المسلمين، كانا شائعين في أوروبا». وناظرةً إلى خطر أكبر قالت إنَّها «دعت الحكومات لمعالجة هذه القضية». لكنها أضافت، في ملاحظة كاشفة، إنَّ الأوروبيين «يُصدَمون في بعض الأحيان عند الإشارة إلى أنَّ التعصب، والتحامُل، والتنميط ما يزالون موجودين في مواقفهم تجاه الآخرين».
أزمة في العالم الإسلامي
وفي الختام، اسمحوا لي أن أنتقل إلى العالم الإسلامي، الذي يحتاج إلى تكوين نظرة خاصة به، وإعادة تقييم لأولوياته.

يتأرجح العالم الإسلامي بين مجد ماضيه الرائع، واللامبالاة والبؤس اللذين يتسم بهما حاضره، دون أن يكون واثقاً بنفسه أو مشاركاً في القضايا العالمية بطريقة بنَّاءة. تعاني العديد من الدول الإسلامية من أزمة سياسية، وتخلف اقتصادي، وضعف البنية التحتية، وسوء التعليم، وعدم القدرة على المنافسة في مجال العلوم والتكنولوجيا، وتلوُّث المدن وسوء إدارتها، وسوء إدارة المخاطر البيئية. إنَّها مصابة بالشلل نتيجةً للتفاوت الاجتماعي، وظلم المرأة، والصراعات الطائفية، والتطرف، والعنف، والإرهاب. إنَّ تعاليم الإسلام الأساسية، مثل السلام، والعدل، والرحمة، تضيع في خضم السباقات الوحشية على السلطة الدنيوية.

لقد خلق إرث التدخلات الإمبريالية، والدول الفاشلة، والفقر، والأمية، والإحساس بالحرمان والاغتراب جروحاً عميقةً في المشهد الاجتماعي والسياسي في الشرق الأوسط. وأصبح نوع السياسة الهوياتي التصارعي الذي تتسم به المنطقة أداةً أيديولوجيةً قويةً. باسم الدين، أو القومية، أو معاداة الإمبريالية، استخدم الانتهازيون والمتطرفون المظالم التي تعرَّض لها المواطنون العاديون منذ وقت طويل لدفع أهدافهم السياسية.

هذا كله صحيح، وأكثر من ذلك: قد خانت الديمقراطيات الغربية قيمها ومبادئها حين شاهدت احتلال فلسطين وتوسعه لمدة خمسين عاماً تقريباً، وحين دعمت الانقلاب في مصر، وخلقت ظروفاً كارثيةً في العراق، وفشلت في دعم الشعب السوري، وغضت الطرف عن معاناة الملايين من الناس في ميانمار، والصومال، وأماكن أخرى. إنَّ الديمقراطيات الغربية هي أكبر منتجي الأسلحة الأكثر فتكاً في تاريخ البشرية؛ ويبيعونها للدول الفقيرة. إنَّها تدير النظام الاقتصادي الذي يُفضّل الأغنياء ويبقى الفقراء في القاع. يُبرر البعض التمييز والعنصرية ضد المسلمين باسم محاربة التطرف الديني. إنَّ هذا كله صحيح؛ والقائمة تطول.

ولكن إلقاء اللوم على الآخرين فقط لا يحل مشاكلنا، بل على العكس؛ فهو يؤدي إلى الكسل الفكري والانسياق الأخلاقي. إن الافتخار بالإنجازات العظيمة التي حقَقتها الحضارة الإسلامية القديمة هو أمرٌ يجب علينا جميعا القيام به، والتعلُّم منه، ولكن الأمر الأهم والأبقى أثراً هو إعادة إنتاج تلك الإنجازات اليوم؛ وهذا هو ما ينبغي أن يكون مهمة كل نظامٍ تعليميٍ فعالٍ. لا معنى لإلقاء اللوم على الغرب أو النظام الدولي في نوائب العالم الإسلامي دون إيقاف النزيف الداخلي في المجتمعات الإسلامية.

إنَّ لحظة واحدة من التأمُّل تكشف لنا الحقيقة المرَّة: لقد خان المسلمون تقاليدهم، تماماً مثل الدول القوية في العالم. لقد سمحوا للظلم، وعدم المساواة، والفقر، والتطرف، والإرهاب بالتفاقم في داخل مجتمعاتهم. لقد فشلوا في معالجة المظالم المشروعة بطرق معقولة من الناحية الأخلاقية وفعَّالة من الناحية العقلانية. وبدلاً من العمل على حل مشاكلهم بالحكمة والصبر، لجأ المسلمون إلى عدم التسامح، والتعصب، والعنف. والنتيجة هي انتشار الجماعات المتطرفة العنيفة التي تُقوِّض المبادئ والتعاليم الأساسية التي ينبني عليها الإسلام.
ينبغي للعالم الإسلامي أن يقف لحظة للتفكير وإعادة الحسابات؛ ويجب أن يبدأ هذا من الداخل. إنَّ التراث الفكري الإسلامي يؤكد على التكامل بين الباطن والظاهر؛ فما يظهر على خارجك هو انعكاس لما في داخلك، والخير في داخلك يجب أن يظهر في إحلال السلام، والعدالة، والرحمة في العالم الخارجي. وكما يقول القرآن: «إنَّ الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم».

يحتاج قادة المسلمين، والعلماء، والرجال والنساء المثقفون، ومجتمعات الأعمال التجارية والعمل المجتمعي إلى التقدُّم لبناء ثقافة تقوم على الإيمان، والعقل، والفضيلة. إنَّ باستطاعتهم والأحرى بهم أن يُعيدوا للمسلمين الثقة بالنفس، دون غطرسة ودون تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى. وباستطاعتهم أن يُظهروا طرق الاشتراك مع العالم بطريقةٍ خلَّاقة وبنَّاءة، تماماً كما فعل الفارابي وابن سينا في الفلسفة، والبيروني وابن الهيثم في العلم، وابن عربي ومولانا جلال الدين الرومي في الروحانية، وحُكَّام الأندلس في جنوب أوروبا، وعديد من حكام المسلمين، وعلمائهم، وفنَّانيهم، كلٌ في مجاله.

تحتاج الدول الإسلامية، الغنية بالموارد الطبيعية، إلى الاستثمار في التعليم، والحكم الرشيد، والتنمية الحضرية، والقضاء على الفقر، وتمكين الشباب والمرأة؛ فلا يستثمر جدياً في هذه المجالات سوى عدد قليل من الدول الإسلامية. يجب أن تستفيد المزيد من البلدان بصورةٍ أفضل من مواردها حتَّى تعود أراضي المسلمين أوطاناً للسلام، والعدل، والإيمان، والعقل، والفضيلة.

يتطلَّب هذا حكماً رشيداً، وسياسة أفضل، وتخطيطاً أفضل. ولكن قبل كل شيء، فإنَّه يتطلَّب ثورة عقول؛ تُعيد تعريف علاقتنا بالعالم لنتعامل معه باعتبار أنَّه «أمانة» أُعطيت لنا. وهذا كله يبدأ بتزكية نفوسنا ورعاية ما خلق الله بذكاءٍ ورحمةٍ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.