المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبو بكر قرط Headshot

أسئلة ما بعد الثورة

تم النشر: تم التحديث:

لأن جدلية "الثورة و المؤامرة" ما زالت تلقي بظلالها على تحليلات الشارع العربي منذ اندلاع ثورات الشعوب وحتى اليوم، قد لا تبدو مناقشة أسئلة ما بعد الثورة فكرة واقعية لدى كثير ممن ما زالت عقولهم عاجزة عن امتصاص الصدمة، وغير قادرة على تجاوز حالة انعدام الثقة بقدرة الإنسان العربي على التغيير وهدم منظومة الطغيان التي رزح تحتها عقوداً طويلة من الزمن، فضلا عن الخوض في أسئلة "ماذا بعد الثورة". وإذا استطاعت هذه الفئة أن تتجاوز مرحلة "التفسير التآمري" لما يجري في العالم العربي، فإنها تجد بديلاً اعتذارياً آخر للعزوف عن الإيمان بالخيار الثوري، هو عدم تحقق أية جدوى منه حتى الآن سوى أنهار الدماء والدمار والمآسي.
ويبدو أن حالة السوداوية والبؤس التي عانى منها الإنسان العربي فترة طويلة في ظل مناخ القمع والقهر السياسي والاقتصادي والفكري، إضافة إلى هجمة الثورة المضادة الشرسة بعد ما لاح من بصيص أمل، قد كرس في وعيه فكرة اليأس من التغيير أو فقدان الثقة في قدرته على التغيير، وهو ما يجعل من جميع محاولات إقناعه بأن أملاً كبيراً ما زال يعقد على حراكات الشعوب، وأن الثورات تمر بأطوار حتمية من المد والجزر إلى أن تحقق مكتسباتها... تذهب أدراج الرياح. ولأن قلة نخبوية من المجتمع هي القادرة على تصور تجليات الأحداث قبل وقوعها، كان لا بد من الخوض في أسئلة ما بعد الثورة دون مجاملة فكرية لمن لايؤمن حتى يرى رأي العين.
السؤال الأهم في مرحلة ما بعد الثورة هو كيفية هدم الهيكل النظري للاستبداد في الوعي الجمعي، بعد أن هدم هيكله المادي، إذ ليس التخلص من الأنظمة المستبدة بأصعب من التخلص مما تركته هذه الأنظمة من عاهات فكرية ونفسية وسلوكية في المجتمع تصاحبه أزمنة طويلة، وربما لا يبرأ منها تماماً إلا بعد تعاقب عدة أجيال تولد في مناخات لم يلوثها الاستبداد بهذه الأمراض. إن هذه العاهات الفكرية هي ذاتها من جنود المستبد التي كان يقوي بها أركانه حين كان يمسك بمقاليد الحكم، وهي من تركاته التي يعيق بها مرحلة البناء والإصلاح حين يطاح به.
تضرب هذه الأمراض، التي أفشاها المستبد، المجتمع في أعماق وعيه ووجدانه وتنعكس واقعاً سلبياً في سلوكه مثل: تقديس الفرد، والتنازل عن مصلحة الجماعة مقابل شعارات وأمثال شعبية بالية، الاحتفاء بالقشور والمظهريات وإهدار الجوهر، الاهتمام بالطقوس وترك المقاصد، والخوف من التغيير، وقمع الأفكار الجديدة، والسخرية من المختلف، وعدم الاعتراف بالخطأ والانشغال بتبريره بدلا من المسارعة إلى معالجة آثاره، والتضخم في الذات، وفهم نصوص دينية فهماً عليلاً وفق السياق الذي وضعته مؤسسة المستبد الدينية، وتجسُّد الطابع الفردي في كل ملمح حياتي سواء في رب الأسرة الذي ينفرد بالقرار وحده أو المدير الذي يفرض قراراته بالقوة على موظفيه، أو حتى في أبسط المواقف العرضية كبائع الخضار الذي يقنعك ببضاعته لأن فلاناً (الفرد المهم) يشتري منه، وغيرها من العاهات الفكرية والسلوكية.

إن هذه الأمراض التي زرعها المستبد طوال عقود طويلة من خلال منظومته الأمنية والثقافية والإعلامية والإدارية، تجعل أول عدو للمجتمع في مرحلة البناء والتغيير هو المجتمع نفسه، بما فيه من شرائح عليلة تقاوم التغيير ليس لأنها لا تحب الأفضل، ولكن لأنها ضحية مستبد أفسد عقلها وأخرجها عن وظيفتها وجعلها عدوة لنفسها. ولذلك فإن أفضل الثورات هي التي تسير في خطين متوازيين متزامنين هما خطا الهدم والبناء: معول يهدم أركان الاستبداد المادية والفكرية، ويد تزرع في هذا الفراغ قيم الإصلاح والبناء والتغيير والنهضة، فهي عملية متزامنة تختصر الوقت والجهد وليست عملية تعاقبية تستنزف الوقت وتفنى أجيال قبل أن تقطف ثمارها، وقد أظهرت التجارب التاريخية أن أرحام الثورات تلقي بالمفكرين والإصلاحيين كما تلقي بالثوار ومقاتلي الحرية.

ولأن أخطر أمراض المستبد تقديس الفرد والدوران في فلكه والشعور بالضياع والتيه دون وجود الفرد الآمر الناهي الذي يملي على الشخص ما عليه أن يفعل وأن لا يفعل، ويحدد له مهامه وحقوقه وواجباته، فإن غرس "الشعور بالمسؤولية وثقافة المبادرة الذاتية" أولوية قصوى في مرحلة ما بعد الثورة من أجل التخلص من برمجة العبودية في النفس. ولأن المستبد يجعل الناس حين ينالون قدراً من حقوقهم الأصيلة ينظرون إلى ذلك وكأنه منة وكرم زائد تفضل به المستبد عليهم، فإن تبصير المجتمع بحقوقه وواجباته يجعل العهد العتيد يقوم على أساس من التكامل الإنساني الذي يحتكم إلى منظومة الحقوق الواجبات التي يقننها النظام للفرد وليس التي يجود بها الحاكم من عنده لمن شاء. ولأن المستبد يربط كل شؤون الأمة بشخصه غير مبال بمصيرها في حال غيابه، فإن تكريس العمل المؤسسي في كل جوانب الحياة يحقق استدامة إستراتيجية للأمة، مهما تعاقب الحكام، وتصبح وظيفة الحاكم لا تزيد عن كونها وظيفة إجرائية تنسق بين كافة مؤسسات الدولة بعيداً عن الارتجالية الفردية التي تبدد مصير أمة بأكملها في نزوة عابرة تمر بخاطر المستبد أو أضغاث أحلام يراها في منامه.
الذاكرة المؤقتة للشعوب تغفر للمستبد تاريخاً طويلاً من الجرائم بحقها في لحظة عاطفية مشاعرية، فهي ذاتها الذاكرة التي كانت، قبل الثورة، تغفر للمستبد كل موبقاته بمجرد رؤيته يقوم بعمل هامشي تظهره أجهزته الإعلامية وكأنه عمل نبيل كافتتاح مكتبة أو قص شريط لنصب تذكاري أو افتتاح مسجد، وهي ذاتها الذاكرة التي كانت تثني على أعوان المستبد، متناسية في لحظات خاطفة تاريخا حافلاً بالجرائم والمخازي الأخلاقية التي ارتكبوها؛ فقط لأنهم رأوهم يقدمون وردة لأحد المسنين في ملجأ عجزة أو أعانوا سائقاً توقفت مركبته على قارعة الطريق، أو أنقذوا كلباً علق في أحد الأماكن، وغيرها من السلوكيات الديكورية أمام عدسات الكاميرات، لتجد بعد ذلك من يهتف لهم بسذاجة "كل الاحترام" مع أن هذا المسكين الذي يهتف هو نفسه لا يجد وظيفة تحفظ كرامته الإنسانية ولا يجد قوت يومه، وقد أنهك المستبد كاهله بالأعباء والضرائب والإتاوات والأسعار الخيالية، فضلاً عن هضم حقوقه السياسية والاجتماعية والإنسانية، وما زالت خناجر المستبد تمزق خاصرته وهو يردد بمنتهى السذاجة "كل الاحترام". ولذلك فإن التخلص من هذه الذاكرة العاطفية البغيضة أولوية من أولويات إصلاح الوعي في مرحلة البناء والتغيير، فلا مجال للتعاطف حين يتعلق الأمر بحق للإنسان لا منة لأحد فيه، أو واجب عليه لا يعفيه منه أحد.
التاريخ الإنساني صفحة ناطقة بتجارب مكافحة الطغيان، بما فيها من مكامن قوة وضعف ونجاحات وإخفاقات، ولأن التاريخ يشابه نفسه ولا يعيده كما هو شائع ، فقد آن لهذه الأمة أن تستلهم هذه التجارب الإنسانية في مرحلة الثورة وما بعدها، كي لا تدفع أثماناً جديدة في تجريب المجرب أو اكتشاف المُكتشَف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع