المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أبو صهيب براء المصرى Headshot

مولد الحبيب محمد.. النبي الإنسان

تم النشر: تم التحديث:

تهلّ علينا ذكرى مولد الحبيب في كل عام، فتشتاق النفس إليه وإلى عظيم خَلقه وخُلقه، إلى النبي الإنسان الرحيم، وتجتاح النفس أشواق إليه، فلا يملك اللسان إلا أن ينطق بكلمات يمدح بها حبيبه النبي صلى الله عليه وسلم، فيترنم بكلمات، فتعالوا نرطب قلوبنا بأبيات شعر نتذكر بها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونتذكر سيرته العطرة.


كل القلوب إلي الحبيب تميل ** ومعى بهذا شاهد ودليل
أما الدليل إذا ذكرت محمداً ** صارت دموع العارفين تسيل
هذا رسول الله نبراس الهدى ** هذا لكل العالمين رسول
يا سيد الكونين يا علم الهدى ** هذا المتيم في حماك نزيل
لو صادفتني من لدنك عناية ** لأزور طيبة والنخيل جميل
هذا رسول الله هذا المصطفى ** هذا لرب العالمين رسول
هذا الذي رد العيون بكفه ** لما بدت فوق الخدود تسيل
هذا الغمامة ظللته إذا مشى ** كانت تقيل إذا الحبيب يقيل
هذا الذي شرف الضريح بجسمه ** منهاجه للسالكين سبيل
يا رب إني قد مدحت محمداً ** فيه ثوابي وللمديح جزيل
صلى عليك الله يا علم الهدى ** ما حن مشتاق وسار دليل

الميلاد والنشأة

في صبيحة يوم الإثنين التاسع من ربيع الأول لأول عام من حادثة الفيل، الموافق للعشرين من أبريل/نيسان من سنة 571م، وُلد الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.

وذكرت الروايات أن أمّه آمنة بنت وهب لم تجد في حملها ما تجده النساء عادة من الآلام الحمل، بل كان حملاً مباركاً، ولما وضعته خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب، حتى أضاءت له قصور بُصرى بأرض الشام وهو المولود بمكة.

وُلد الحبيب يتيماً فقد توفّي والده عبدالله أثناء حمل أمِّه فيه، وكان من عادة العرب إذا وُلد لهم مولود أن يخرجوه إلى البادية؛ لكي يبتعدوا به عن الأمراض المنتشرة في الحواضر، ولتقوى أجسادهم وليتقنوا لغة العرب الفصحى في صغرهم.

البركة وقصّته مع حليمة

دفع أهلُه به إلى مرضعة تسكن البادية (حليمة السعدية) التي تبدَّل بها الحال، فمن بعد حياة يملأها الجفاف والفقر إلى حياة امتلأت بالبركة حتى قِيل عن أغنامها "ارعوا حيث ترعى أغنام حليمة"، حيث تغير الحال بغنمها سمناً ولحماً وحليباً، فأيقنت حليمة أن ثمة شيئاً تغيَّر بقدوم هذا المولود المبارك الذي أحبَّته حباً جماً.

وعندما بلغ الحبيب من عمره ست سنوات تُوفّيت والدته، فأصبح يتيم الأب والأم، وهنا درس لنا، فيا مَن أصبحت يتمياً وفقدت أباً أو أماً ألا تجد في الله أنيساً؟ ولنا في رسول الله قدوة حسنة، فما يئس ولا قنط، انتقلت بعد ذلك رعايته إلى جده عبد المطلب ثم إلى عمه أبي طالب.

الحبيب صلى الله عليه وسلم شاباً

مرَّت الأيام ويكبر الحبيب شاباً تقياً نقياً ورعاً، فلا يتلوث بما تلوث به الشباب في الجاهلية، فكان لا يشرب الخمر، ولا يحضر مجالس اللهو التي يحدث بها عبث مع النساء، لا يأكل من الذبائح التي تنحر للأصنام، ولا يحضر الاحتفالات التي تقام لها.

عمل في مهنة امتهنها كثير من الأنبياء؛ حيث رعى الأغنام، وهي المهنة التي تُعلم الصبر وتحمّل المشاق؛ حيث يخرج بها إلى الباديد؛ حيث أماكن العشب والماء، عرف عنه حسن الخلق والأمانه وحسن السيرة والعقل الراجح، وظهر ذلك جلياً وبوضوح في قصة وضع الحجر الأسود؛ حيث اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة لِما أصابها من تصدع جدرانها، وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم عليه السلام رضماً (حجارة) فوق القامة، وقد تم تقسيم العمل في بناء الكعبة بين القبائل، وتولت كل واحدة منها ناحية من نواحي الكعبة، فجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود دبَّ الشقاق بين قبائل قريش، فكل يريد أن ينال شرف رفع الحجر الأسود إلى موضعه، وكادوا يقتتلوا فيما بينهم، حتى جاء أبو أمية بن المغيرة المخزومي، فاقترح عليهم أن يحكّموا فيما اختلفوا فيه أول مَن يدخل عليهم من باب المسجد الحرام، فوافقوا على اقتراحه وانتظروا أول قادم، فإذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما إن رأوه حتى هتفوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، وما إن انتهى إليهم حتى أخبروه الخبر، فقال: (هلمّ إليَّ ثوباً)، فأتوه به فوضع الحجر في وسطه، ثم قال: (لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً) ففعلوا، فلما بلغوا به موضعه، أخذه بيده الشريفة ووضعه في مكانه.

مواقف إنسانية مشهودة للحبيب

كان نموذجاً فريداً في إنسانيته؛ حيث تمر الأيام وتنزل الرسالة على الحبيب المصطفى، ويرسل هادياً ومنذراً وبشيراً، يمر يوماً بشعاب مكة فيجد سيدة عجوزاً تحمل حطباً، وإذ ظهرها يكاد ينحني منه فعرض عليها أن يحمله منها إلا أن يبلغها حاجتها فسُرت المرأة بذلك، وقالت له: سأسدي لك نصيحة جزاء معروفك هذا، هناك شخص اسمه محمد يدعي النبوة فإذا لقيته لا تصدّقه.

موقفه مع عبد الله بن مسعود؛ حيث تروي لنا كتب السير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشتهى عوداً من أراك ليُطهّر به فمه، والحصول على الأراك كان يتطلّب بطبيعة الحال صعوداً فوق الشجرة حتى يتخيّر الأنسب والأفضل، فكان أن ارتقى ابن مسعود الشجرة مستعيناً بساقيه الدقيقتين ويديه الضعيفتين، وبينما هو كذلك إذ هاجت الريح واشتدّ هبوبها حتى كادت تسقطه من العلو، وظلّ الجو العاصف يلعب به يمنةً ويسرة.

وشاهد مَن كان حاضراً من الصحابة ابن مسعود -رضي الله عنه- وهو على تلك الحال، فتضاحك بعض القوم من منظره، ولم يستحسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحكهم، فسألهم: مم تضحكون؟ فذكروا له دقّة ساقيه رضي الله عنه.

ولكن هل يُقاس الناس بأشكالهم وألوانهم؟! وهل يضرّ عبد الله -رضي الله عنه- ضعفه ونحوله؟! لا والله؛ فإن لصاحب تلك الساقين فضائل تُثقل الميزان، وأعمالاً تُقرّ العين، ومزايا تُبهر الألباب، جامعاً في ذلك بين جمال السيرة ونقاء السريرة.

ويشهد لتلك المنزلة العالية خير الخلق -صلى الله عليه وسلم- ويُسطّرها في سجلاّت الخالدين بإنسانيته الرائعه فيقول: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد).

إعلاؤه لقيمة الفرد المسلم في مجتمعه

يذكر أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر، يهدي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- الهديَّة من البادية، فيجهِّزه النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله: إنَّ زاهراً باديتنا، ونحن حاضروه. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحبُّه، وكان رجلاً دميماً، فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرَّجل، فقال: أرسلني، أي: دعني، فالتفت، فعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم، فسعد عندما عرف أنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذاً والله تجدني كاسداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن -عند الله- لست بكاسد. أو قال: لكن -عند الله- أنت غالٍ.


حبّه للخير للمسلمين والتعايش بينهم

بعد هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة عمل الحبيب المصطفى على الإخاء بين المهاجرين والأنصار ضارباً بذلك مثلاً على الاندماج والتعايش السلمي بين طوائف المجتمع بالمدينة، ليس كما يحصل حالياً في دولنا المسلمة؛ حيث يستعلي صاحب الملك والسلطة بقبيلته وأسرته أو طائفته فيجعلهم سياطاً مسلطة على رقاب أبناء شعبه، يأخذون كل الامتيازات ولهم كل المخصصات، وويل لمن أراد أن يحاسبهم أو أن يسأل من أين لك هذا؟

وفي بئر رومة تتجلى أجمل القصص لحبّه الخير للمسلمين؛ حيث إنه ﻟﻤﺎ ﻫﺎﺟﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن إﻟﻰ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺸﻌﺮون ﺑﺎﻟﻀﻴﻖ ﻣﻦ المياه اﻟﺘﻲ ﻳﺸﺮﺑﻮﻧﻬﺎ ﻛﻮﻧﻬﻢ ﺗﻌﻮدوا ﻋﻠﻰ ﺷﺮب ﻣﺎء زﻣﺰم ﻓﻲ ﻣﻜﺔ اﻟﻤﻜﺮﻣﺔ، ﻓﺠﺎءوا إﻟﻰ اﻟﺮﺳﻮل اﻟﻜﺮﻳﻢ وأﺧﺒﺮوﻩ ﺑﻀﻴﻘﻬﻢ وأن ﻫﻨﺎك ﺑﺌﺮاً ﺗﺴﻤﻰ ﺑﺌﺮ روﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻃﻌﻤﻪ ﻳﺸﺒﻪ إﻟﻰ ﺣﺪ ﻛﺒﻴﺮ ﻃﻌﻢ ﻣﺎء زﻣﺰم.

إﻻ أن ﻫﺬﻩ اﻟﺒﺌﺮ ﻳﻤﻠﻜﻬﺎ ﻳﻬﻮدي وﻫﻮ ﻳﺒﻴﻊ اﻟﻤﺎء ﺑﻴﻌﺎً وﻟﻮ ﻛﺎن ﻣﻘﺪار ﻛﻒ اﻟﻴﺪ، ﻓﺄرﺳﻞ اﻟﺮﺳﻮل اﻟﺤﺒﻴﺐ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم إﻟﻰ ﻫﺬا اﻟﻴﻬﻮدي وأﺧﺒﺮﻩ أن ﻳﺒﻴﻊ اﻟﺒﺌﺮ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻣﻘﺎﺑﻞ أن ﻳﻜﻮن ﻟﻪ عين ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ، إﻻ أن اﻟﻴﻬﻮدي رﻓﺾ وأﺧﺒﺮﻫﻢ أﻧﻪ ﻳﺮﻳﺪ اﻟﻤﺎل، ﻓﻠﻤﺎ ﺳﻤﻊ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﺜﻤﺎن اﻟﻘﺼﺔ ذﻫﺐ إﻟﻰ اﻟﻴﻬﻮدي وأﺧﺒﺮﻩ أﻧﻪ ﻳﺮﻳﺪ أن ﻳﺸﺘﺮي ﻣﻨﻪ اﻟﺒﺌﺮ، ﻓﻴﻜﻮن ﻳﻮﻣﺎً ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﻴﻦ وﻳﻮﻣﺎً ﻟﻠﻴﻬﻮدي ﻳﺒﻴﻊ ﻣﻨﻪ، ﻓﻮاﻓﻖ.

ﻓﺄﺻﺒﺢ اﻟﻨﺎس ﻳﺸﺮﺑﻮن ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻓﻲ ﻳﻮم ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﺜﻤﺎن وﻻ ﻳﺬﻫﺒﻮن ﻟﻠﺒﺌﺮ ﻓﻲ ﻳﻮم اﻟﻴﻬﻮدي، ﻓﺸﻌﺮ ﻫﺬا اﻟﻴﻬﻮدي ﺑﺎﻟﺨﺴﺎرة وذﻫﺐ إﻟﻰ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﺜﻤﺎن، وﻗﺎل ﻟﻪ: أﺗﺸﺘﺮي اﻟﺒﺌﺮ؟ ﻓﻮاﻓﻖ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﺜﻤﺎن، واﺷﺘﺮاﻩ ﻣﻘﺎﺑﻞ ٢٠ أﻟﻒ درﻫﻢ، وأوﻗﻔﻪ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﺸﺮب ﻣﻨﻪ المسلمون.

فهل نجد من أغنياء المسلمين المثل والقدوة فيحيون سُنة الوقف الإسلامي الذي إن أُحسن استغلاله مثلاً في إيجاد فرص عمل أو مشروع يكون ريعه لتزويج الشباب المسلم غير القادر، ولماذا نجد أن أناساً أغنياء في الغرب قد أصبحوا في خدمة مجتمعاتهم والعمل على تقويتها وجعل جزء من ثرواتهم وقفاً لذلك؟ وهل يكونون أكثر إنسانية منا نحن المسلمين تجاه مجتمعاتنا، ألا نغار منهم؟! أليس لنا في إنسانية النبي القدوة في مد يد الخير لمجتمعاتنا المسلمة.

وأمثلة كثيرة تكاد لا نحصرها لعظمة وإنسانية الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- نتذكرها في ذكرى مولده العطرة، وندعو الله أن يبلغنا فيه جنته، وأن نأنس بقربه فيها، فإن لم نحظَ برؤيته في دنيانا، نسأل الله ألا يحرمنا من ذلك في مستقر رحمته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.