المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير يوسف Headshot

تشاوشيسكو وثورة رومانيا..هل يعيد التاريخ نفسه؟ أم أننا نحن من لا يقرأ التاريخ "1"

تم النشر: تم التحديث:

تشاوشيسكو، أحد أشهر الطغاة في العالم، فترة حكمه تعتبر نقطة سوداء في تاريخ رومانيا وتاريخ العالم كله، تشاوشيسكو الرجل الذي تولى رئاسة رومانيا في عام 1965 وحتى 1989، الرجل الذي تسبب في جعل رومانيا أكثر الدول فقراً في أوروبا بسبب سياساته، الرجل الذي لقب نفسه بالقائد العظيم والملهم ودانوب الفكر والمنار المضيء للإنسانية والعبقري الذي يعرف كل شيء، وليس من المدهش أن نجد كل ديكتاتوريي العالم يفعلون المثل من تلقيب أنفسهم بألقاب مماثلة.

ولد تشاوشيسكو في عائلة فقيرة، ولم يحظَ بفرصة لإكمال تعليمه، كل ما حصل عليه من شهادات هو ما يعادل الشهادة الابتدائية في مصر، وفي عام 1932 انضم تشاوشيسكو لحزب العمال والحزب الاشتراكي، الذي كان يعتبر من الأحزاب المحظورة في رومانيا حينها؛ لينتهي الأمر بالقبض عليه وقضاء العامين و النصف في سجن دوفتانا، السجن الذي كان يعتبر من أكثر السجون رعباً وألماً للسجناء.

قد يكون من المهم أن نذكر أن قصة تشاوشيسكو الحقيقية تبدأ من هنا، في هذا السجن الرهيب الذي تعرض فيه للعنف وللاعتداء الجسدي، الذي ترك فيه ندبة نفسية واضحة وأثراً في تعاملاته مع الآخرين، وهو الأمر الذي أفضى به إلى أن يصبح متلعثماِ في كلامه حتى عندما وصل لرئاسة رومانيا.

يهرب تشاوشيسكو من السجن أثناء الغزو السوفييتي لرومانيا، وبعدها بفترة قصيرة يبدأ تشاوشيسكو بتسلق سلم السلطة؛ ليصل للحكم في عام 1965.

اتبع تشاوشيسكو سياسة التقشف إلى درجة وصلت لتقنين العيش عن طريق حصة يومية لكل مواطن يجب أن يقوم بالالتزام بها، وتلك الحصة كانت مقدرة بنصف رغيف لكل مواطن، قام بتصدير كل منتجات الدولة الزراعية بحجة تسديد ديون رومانيا، ويجب أن أذكر هنا أن سبب تلك الديون كانت المشاريع العملاقة الفاشلة التي كان يقوم بتنفيذها، ومن أشهر هذه المشاريع كان مشروع التنظيم، الذي تضمن هدم وإعادة بناء ونقل السكان على وفقا لأهواء السلطة حينذاك، وقام فيها بهدم ما يقرب من خمس بوخارست بكنائسها ومبانيها الأثرية؛ ليقوم على أثرها بإقامة عمارات عالية وشوارع واسعة و"بيت الشعب" الذي بناه فى وسط بوخارست، والذي يعتبر ثاني أكبر مبنى إداري فى العالم كله بعد البنتاغون.

وكان من أغرب السياسات التي قام تشاوشيسكو بتبنيها هي سياسة الحمل الإجباري، رغبة منه في زيادة عدد سكان رومانيا، قام الرجل بإصدار قانون غريب واعتبر فيه الحمل إلزامياً والجنين ملكاً للمجتمع، قام الرجل بحظر التعليم والتوعية بأي شيء له علاقة بتنظيم الأسرة، وحظر الإجهاض، ووصل به الأمر أنهم كانوا يمسكون بالنساء اللائي في سن الإنجاب في مواقع العمل لأخذهن للعيادات لعمل اختبار حمل وفي حضور الشرطة، وقام بفرض ضرائب على النساء غير المنجبات.

كان الرجل متحكماً وبشدة في كل ما يحدث بالبلد، وحتى ما كانت تقوم وسائل الإعلام الرومانية ببثه، وقام بمنع كل القنوات الأجنبية مع ترك بعض من القنوات المحلية الموالية له، وقام بإنشاء جهاز "السيكوريتات" وهو جهاز الشرطة السري الذي يقوم باعتقال كل من تسول له نفسه ليس فقط معارضة الزعيم، ولكن أيضاً من كان من غير المادحين والموالين له.

اندلعت ثورة غرب رومانيا ومنها للعاصمة بوخارست، ومنها لكل رومانيا (وبغض النظر عن فشل هذه الثورة، والذي سأقوم بالحديث عنه في التدوينة القادمة، وعن الثورة المضادة)، ويهرب تشاوشيسكو وزوجته إلا أن بعضاً من المزارعين يقومون بالتعرف عليه، ويقومون بتسليمهما للشرطة، تعقد محاكمة صورية له ولزوجته فى ساعتين وتوجه لهم تهم أهمها "الإبادة الجماعية للثوار، وتدمير اقتصاد رومانيا"، ويتم الحكم عليهما بالإعدام رمياً بالرصاص، وينفذ الحكم على الهواء مباشرة ويبث الإعدام على تلفزيون الدولة.

وهنا يحضرني موقف هام يجب ذكره، وهو موقف الشاعر الرسمي الخاص لتشاوشيسكو، الشاعر ادريان باونيسو، الذي مدحه مرة قائلاً: "يا أبناء رومانيا، إذا سألكم شخص ما؛ لماذا اجتمعتم هنا وبمن تحتفون؟ ولماذا تحملون هذا الرجل في قلوبكم وأفكاركم وكلماتكم؟ ولماذا تحبونه كل هذا الحب؟ فأجيبوا نحن نحبه لنضاله وإنسانيته"؛ لتقف هنا الكلمات عاجزة عن وصف هذه المهزلة.

وينتهي الأمر بهذا الشاعر نفسه فاقداً لاحترامه لذاته، وكاتباً بعد سقوط تشاوشيسكو يهجو نفسه شخصياً، ويقول: "ككل ضعيفي القيم والأخلاق، مدحته بلا فائدة، المهرج الكبير القائد الذي ولد من جديد، وبنصف انحناءة، لحست مؤخرته".

الخلاصة:
يقول الجاحظ: "لا يعرف الخطأ من يجهل الصواب"، ويقول جوستاف لوبون: "الجماهير لم تكن في حياتها أبداً ظمأى إلى الحقيقة، وأمام الحقائق التي تزعجهم فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه آخر، ويفضلون تأليه الخطأ، إذا ما جذبهم الخطأ، فمن يعرف إيهامهم يصبح سيداً لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم"، ويقول محمد الغزالي: "إن حرية الرأي لا تعني حماية الخطأ وإعطاءه حق الحياة، فأقصى ما يناله الخطأ أن يعيش ريثما يُعدم ويتوارى"، ويقول الصادق النيهوم: "لا نملك شيئاً نلتقي عنده، فكل واحد منا يمشي في اتجاه أنفه، وكل خطوة في الاتجاه الخطأ ندفع ثمنها مرتين".

ويقول شكسبير: "أستطيع مسامحتك على عشرة أخطاء مختلفة، ولكن لن أسامحك على نفس الخطأ مرتين"، ويقول فولتير: "يجب أن تخجل من ارتكاب الخطأ وليس من الاعتراف به"، ويقول غاندي: "لا يصبح الخطأ على وجه حقاً بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ؛ لأن لا أحد يراها".

ويقول كونفوشيوس: "عدم الرجوع عن الخطأ هو خطأ أكبر"، ويقول مانديلا: "لا تنس أبداً أن القديس هو خاطئ يحاول أن يصير أفضل".

ويقول مصطفى السباعي: "الذين يجهرون بالصواب عند طوفان الخطأ هم الرجال الذين يقوم البناء على عقولهم وكواهلهم معاً"، ويقول مالكوم أكس: "على الوطنية أن لا تعمي عيوننا عن رؤية الحقيقة، فالخطأ خطأ بغض النظر عمن صنعه أو فعله"، قف مع نفسك كل يوم وحاسبها وانظر إلى أخطائك وقُم بتصحيحها، المشكلة لا تكمن في الخطأ إنما تكمن دائماً في استمرارك فيه، والأهم دائماً أن تمتلك من الشجاعة ما يؤهلك للاعتراف بالخطأ والمواجهة، حتى لا تجد نفسك في النهاية تقف موقف شاعر تشاوشيسكو، وتفقد احترامك لذاتك.

وفي النهاية وكما قال المسيح عليه السلام: "ماذا يفيدك إن كسبت العالم كله وخسرت نفسك".

اسمعوا واستمتعوا بأغنية "مش باقى مني"
مش باقى منّي غير شوية ضيّ في عينيا
أنا هاديهملك وامشي بصبري في الملكوت
يمكن في نورهم تلمحي خطوة
تفرق معاكي بين الحياة والموت