المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير يوسف Headshot

أسيرة العشق الممنوع.. من أوج الشهرة إلى قاع الوحدة

تم النشر: تم التحديث:

تدوينة: عبير يوسف

"سامحوني الحياة لم تعد تحتمل".. رسالة مكونة من جملة واحدة، وهي الرسالة التي كتبتها الفنانة العالمية داليدا قبل إقدامها على الانتحار.. في عام 1987 قامت داليدا بالانتحار بعد أن تناولت جرعات زائدة من الأقراص المهدئة مغادِرة هذا العالم وتاركة من خلفها هذه الرسالة.

لم يفهم أحد السر وراء انتحارها، وخصوصاً أن داليدا لديها 500 أغنية بتسع لغات مختلفة هي: الفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والعربية واليابانية والهولندية والتركية، واحتلت أغانيها قوائم أفضل عشر أغنيات حول العالم من كندا إلى اليابان، ومن مصر إلى الأرجنتين.

داليدا التي لقبت بـ"الحورية الغامضة" بسبب جمال قوامها ورشاقتها وشعرها الذهبي.

وُلدت داليدا في 17 يناير/كانون الثاني 1933، في حي شبرا بالقاهرة لوالدين إيطاليي الأصل مولودين في مصر، وقد هاجر جدودهما لمصر بدافع الفقر الشديد وهرباً من المعارك الطاحنة في إيطاليا إبان الحرب العالمية الأولى.

كانت والدتها وتدعى "جوزفين" كأي أم إيطالية لها طبيعة مزعجة؛ حيث تتدخل في شؤون أولادها لخوفها عليهم، لكنها أيضاً حنونة وربة بيت ممتازة، أما والدها السيد "جيجليوتي" فقد كان عازفاً موهوباً ولم تمضِ فترة على وجوده بمصر حتى تمكن من العثور على عمل مع أوركسترا أوبرا القاهرة.

طفولتها أيضاً لم تكن سعيدة، فقد وُلدت وهي ضعيفة البنية هشة، وكانت تعاني من حَوَل في عينها اليمنى أدى إلى خوضها لثلاث عمليات، وكانت مضطرة إلى أن تلبس نظارات قبيحة المنظر، مما أدى لسخرية زميلاتها بالمدرسة منها، ونعتها بألقاب مثل "أم أربعة عيون.. والحولة"، ولكن لحسن حظها كان هناك راهبة طيبة القلب اسمها إيزابيل كانت تواسيها كلما رأتها تبكي، وكانت تقول لها: "لديك أجمل عيون في العالم"، الموقف الذي لم تنسَه داليدا أبداً لها لدرجة أنها وهي في أوج مجدها وشهرتها عندما علمت أن تلك الراهبة إيزابيل تحتضر تركت كل أعمالها ورجعت للقاهرة لتوديع المرأة التي عاملتها بحنان.

وفي عام 1940 تندلع الحرب العالمية الثانية وتصبح حياة والدها جيجليوتي صعبة جداً مع أنه كان بعيداً عن السياسة، ولكنه في النهاية كان إيطالياً، ومصر في تلك الأيام كانت تحت حماية بريطانيا ويتم اعتقال الوالد وحبسه، مما يضطر والدتها إلى أن تعمل على ماكينة خياطة لتكسب عيش أولادها.

ويعود والدها إلى البيت، ولكن السجن جعله شخصاً مختلفاً تماماً، فيتحول لإنسان حاقد وسيئ الطباع ويراقب كل تصرفات ابنته، مما أثر تأثيراً سلبياً على نفسية داليدا بسبب قسوة طباعه.

وبعد مرور الوقت وجدت داليدا طريقة للهروب من مراقبة والديها؛ حيث كانت تذهب إلى الكنيسة الصغيرة ليس لتصلّي بل لتنتظر فتى اسمه "أرماندو".

كان أرماندو حب داليدا الأول والبريء، وكانت تخشى أن يكتشف والدها الموضوع برمته فينفجر غضباً، فكثيراً ما كان والدها يصفعها ويضربها بعنف.
ويتوفى الوالد بسكتة دماغية وبعد وفاته بدأت داليدا تتطلع لحياة أخرى.

داليدا كانت متأكدة أنها وُلدت وهي تتمتع بمواهب فنية كبيرة، وخصوصاً أن لها عمّة كانت ممثلة إيطالية مشهورة، وتبدأ موهبتها في الظهور وهي في سن المراهقة على مسرح المدرسة.

كانت داليدا قد سبق أن حصلت على لقب ملكة جمال عندما كانت صغيرة، ولأن لديها فرصة بالنجاح بهذه المسابقات قررت أن تشترك في المسابقة التالية بدون علم والدتها التي كانت ترفض فكرة ظهور ابنتها في مثل تلك المسابقات، وتفوز بالفعل في المسابقة، ويعلن الحكام أن لقب ملكة جمال مصر سيذهب إلى يولاند جيجليوتي.

بعد اللقب فتحت لها أبواب الشهرة ودخلت الاستوديوهات السينمائية في مصر وقدمت بعض الأدوار فاختارها المخرج المصري الراحل "نيازي مصطفى" بدور "دليلة" وقبل رحيلها إلى باريس بفرنسا أدت دور في الفيلم المصري "سيجارة وكأس"، وبعدها تقرر داليدا السفر إلى باريس بحثاً عن الشهرة.

في باريس تبدأ بالغناء في الكباريهات وتلتقي بأحد أصدقاء المخرج السينمائي الذي اكتشفها في مصر والذي يقول لها: "اسم داليلة التي تعرفين به غريب وعدواني"، ولم تستوعب داليدا، ولكن بعدها قررت أن تمزج ما بين اسم داليلة المعروفة به واسمها الأصلى يولاندا لتصل إلى اسم داليدا.

ويبتسم لها الحظ عندما تحصل على عقد من شركة أسطوانات باركلي وكانت أول أغنية تطلق داليدا للنجومية هي أغنية بامبينو وبعد الشهرة تهافت عليها المخرجون، وقدمت الكثير من الأفلام، ومع الأسف كانت أفلامها الأولى غير ناجحة، ولكنها لم تستسلم وتصل في النهاية للشهرة التي ترغب.

ورغم شهرتها وثروتها فإن حياتها العاطفية كانت أشبه بمسرحية مأساوية منذ بداية زواجها حتى نهايتها.

تزوجت داليدا من أول رجل أحبته بصدق وهو لوسيان موريس، ولكنهما انفصلا عن بعض بعد زواج دام عدة أشهر فقط، رغم أن حبهما كان حديث المجتمع في ذاك الوقت وكان سبب الانفصال هو وقوعها في حب آخر، وهو حب الرسام جان سوبيسكي الذي فشلت علاقتها معه أيضاً، ويعاني موريس فقدانها ورغم محاولته للارتباط بأخرى فإنه يفشل ويحاول مجدداً العودة إلى داليدا حبه الأول دون جدوى، وإزاء ذلك يقدم موريس على الانتحار مطلقاً النار على نفسه.

وفي عام 1967 يدخل العشق مرة أخرى لقلب داليدا عندما التقت بالشاب الإيطالي "لويجي تانغو" الشاب الذي كان يحلم بأن تدعمه داليدا ليصبح مغنياً مشهوراً ويفشل المطرب الشاب في النجاح، مما يؤدي به للإقدام على الانتحار في أحد الفنادق، وكانت داليدا أول مَن رأى جثته مغطاة بالدماء.

داليدا التي حظيت بالشهرة والثروة والألقاب والأوسمة وقام بتكريمها الجنرال الفرنسي ديجول بميدالية رئاسة الجمهورية وحصولها على لقب العالمية لغنائها الراقي باللغات المتعددة، إلا أن حياتها العاطفية كانت بائسة، وأخفت كواليس حياتها مأساة كبيرة اتسمت بالضبابية والغرابة؛ لأن معظم الرجال الذين أحبتهم داليدا انتحروا في ظروف مأساوية.

داليدا لم تمُت على خشبة المسرح كما تقول إحدى أغنياتها الشهيرة، وإنما قتلت نفسها من شدة الوحدة تاركةً خلفها أغنيات عن الحب والعشق والشغف، وهي ما لم تعِشه، فالحقيقة تشير إلى أن داليدا عاشت أسيرة "العشق الممنوع".

الخلاصة:
الأم تريزا بتقول: "الوحدة أفظع فقر"، وآرثر شوبنهاور بيقول: "حياة الوحدة مصير كل الأرواح العظيمة"، ومحمد الرطيان بيقول: "أسوأ أنواع الوحدة تلك التي تجتاحك وأنت بين أهلك وصحبك"، وياسر حارب بيقول: "الوحدة أشد أنواع الألم قسوة"، وسارة درويش بتقول "الوحدة تُعمق الإحساس باللامبالاة، وقد خبرتها طويلاً يا صديقي، طويلاً لدرجة أنني غير مهتم حقاً بذلك المرض الذي يأكل أطرافي، لا أعرف حتى أين وصل الآن، لا شيء يهم.. لا شيء"، ومنى أبو زيد بتقول: "الوحدة رمال متحركة، زوارها قليلون مختلفو الوجهة؛ لذلك هي لا تترك مجالاً لثرثرة، هي فقط تبتلعهم"، وجبران خليل جبران بيقول: "الوحدة عاصفة ساكنة تحطّم أغصاننا الميتة، وهي مع ذلك تضرب بجذورها في أقصى أعماق القلب النابض من الأرض الحية".

وإلياف شافاق بتقول: "الوحدة والخلوة شيئان مختلفان فعندما تكون وحيداً فمن السهل أن تخدع نفسك ويخيل إليك أنك تسير على الطريق القويم، أما الخلوة فتعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر أنك وحيد"، وأحلام مستغانمي بتقول: "تذكرت أنها لا تدري مع مَن تقتسم فرحتها، وهذه أعلى درجات الوحدة".

وخالد خليفة بيقول: "من الصعب أن تكون وحيداً، كما من الصعب أن تكون الوحدة قدراً أبدياً يتلبسك كوشمٍ على ذراعك"..

لا تترك نفسك للوحدة، فإن الوحدة كالرمال المتحركة ستبتلعك إن لم تدرك أنك أنت نفسك قد تكون صديقاً جيداً لروحك الهائمة في هذا العالم البائس، أو كما قال عمر طاهر: "تخلص من الوحدة، الحياة نكتة، والنكتة علشان يبقى ليها معنى لازم تكون بين اتنين على الأقل".

https://soundcloud.com/ahmed-wahdan/dalida-je-suis-malade" target="_hplink">استمتعوا وأسمعوا داليدا وهي بتغني: "Je suis malade" وبتقول:

أنا مريضة.. ألم أعد أحلم.. لم يعد لي كذلك حكاية
أنا وحيدة بدونك.. أنا لست جميلة بدونك
أنا متعبة، أنا منهكة وكل السفن تحمل رايتك
لا أعرف أبداً أين الذهاب، أنت في كل مكان
سلبت مني كل أغانيّ.. أفرغت مني كل الكلمات
هذا الحب سيقتلني إذا استمر.. سأموت وحيدة مع نفسي
وقلبي كليا مريض.. محاصرة بمتراس
هل تسمع أنا مريضة

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.