المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير الكالوتي Headshot

ما تسألنيش عن المقادير !

تم النشر: تم التحديث:

على خلاف الكثيرات من الفتيات كانت فكرة دخولي "المطبخ" تبدو موضوعاً شائكاً بعض الشيء، مرعباً سخيفاً، جامعاً لأحاسيس متداخلة، ولمّا كانت صديقاتي تتغزّلن بأصناف من الطعام والحلويات صنعنها كنت أسيل عليهن بوابلِ من المدح كما لو أنّ الواحدة منهن حازت على جائزة "نوبل". كم أنت عظيمة أيتها الفتاة التي صنعتِ كائناً جديداً ينقضّ عليه من حولك فيلتهمونه ويلتقطون له الصور تخليداً، ويتغزلون به ويطلبون مقاديره، لإعادة إيجاده فيولد من جديد وهكذا دواليك. إلا أنني الآن أستطيع أن أحدّدَ أكثر لماذا كانت تغدو فكرة الطبخ لديّ بهذا الشكل؟

مالذي يجعل الفتاة تصيخ السمع وبدقة لأمها أو جدتها لتأخذ منها وصفةَ أحد الأطعمة وبدقة وهي ذاتها التي كانت تتمرد على كل قديم؟ مالذي يجعل الفتاة تسأل وبدقة "أحط ربع ولاّ نص معلقة؟"، "225 غرام سكر بودرة ولاّ سكر خشن؟" ، "5 ملم ولاّ 15؟" .. طيب وكم يعادل الغرام والملّ بالكأس أو الملعقة؟.. وغيرها من دوامة الأسئلة التي تصبح فيها الفتاة أسيرة المقادير، ولماذا؟ كي لا تموت طبختها بين يديها وتوصف بأنها "مش شاطرة" بالطبخ من لدن صديقاتها، زوجها، حماتها كما لدى البعض. حتى أنّ الأمر يتحول عند بعضهن إلى حلبةٍ من المنافسة بين زوجات الإخوة، ولا تخلو أحاديثهن النسائية من تقييم زوجة فلان وعلاّن وأيهم أقرب إلى قلب معدة زوجها وحماتها.

يا إلهي ألهذه الدرجة يبدو الطبخ مرعباً؟! وخاصة لمّا يغدو معياراً من معايير الاختيار لدى بعض الشباب فتُنكح المرأةُ "لطبخها" وكأنه تغذى في عقله الباطن بـ فاظفر بذات الطبخ تربت يداك، ويغدو الطبخ في النهاية عالماً من القوى المتصارعة التي تتداخل فيها نفسية صاحبها وروحه ومراده وإرادته
حتى نستطعم من رحى العملية هذه فتُعليها كلمة مدح وتهوي بها كلمة ذم سبعين خريفاً في نفس صاحبها.

الطبخ إذن عملية سيكولوجية بامتياز، وميدان واسع للتنافس الطبقي والثقافي والتجاري والنوعي حتى يقال إنّ الرجال أكثر مهارة من النساء في الطبخ إذ تكشف بعض الدراسات أنهم أكثر استمتاعاً من النساء وهم يؤدون طقوس الطبخ، جعلتني هذه الفكرة أقترب أكثر نحو حقيقة أنّ المقادير وتتبّعها بدقة تُشغل الصانع عن المصنوع، وأن الشغفَ بالعملية ذاتها من المحتّم أن يُنتج مصنوعاً مميزاً, لذلك تغدو عملية تدوين المقادير والوقوع في أسرها وصناعة كراسات الطبخ وتداولها عملية غير مثالية تماماً، إذ ثبت وبالتجربة أن أولئك الذين ما التزموا المقادير بحذافيرها، وصنعوا أطباقاً صورتها غير طبق الأصل كما تظهر في دليل الطبخ، هم من أجادوا العملية حقاً، ذلك أنهم كانوا يطبخون على نارٍ هادئة، ولكن بشغف، وما ضرّهم إن أحرقوا أو احترقوا، فشغفهم كفيلٌ بأن يعيدوا التجربة، فالتكرار حيلة "الشطّار"، وما ضاعت طبخة وراءها مطالب.

قديماً قالوا: "الطبخة اللي بكتر طباخينها بتخرب"، لكن أولئك المهرة في عمليات الطبخ جعلوني أومن أن الطبخة اللي بكتر طباخينها، تُزهر، وتُشبع، وتحرق أولئك الظمأى بغيظهم .
فكل عمل مهما كان بسيطاً، صغيراً، أضحى في عين الرائي كبيرا بتكراره، أوَليست الجبال من الحصى؟

أفكر في ذلك وأنا أقلب من محطة وصفات غذائية إلى أخرى إخبارية، العاجل فيها كشريط المقادير تماماً.. مليء بأرقام الموتى.. الجرحى.. الشهداء.. الرؤساء.. الثوار.. المعارضين.. الموالين ..الأموال.. العقارات.. المباني.. المهدمة.. المرممة.. المسروقة.. المحتلة.. درجات الحرارة.. والبورصة.
يأتيني صوت أمي من المطبخ، أغلق التلفاز على صوت المذيع بخبرٍ عاجل: شاب مقدسي مواليد ال 2000 يتعرض لإعدام علني بعد الاشتباه بتورطه في محاولة طبخ حسب الادعاء الإسرائيلي.
أحثّ الخطى لصوت أمي.
بعد اليوم ما عادت فكرة الدخول إلى المطبخ ترعبني، فلا تسألني عن المقادير، بل علمني كيف أشعلُ عودَ الثقاب وأقطع بالسكين.. ولكلّ طباخِ مقاديره!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.