المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير عبده Headshot

في كفر دلهاب

تم النشر: تم التحديث:

نمط مختلف من الدراما العربية قدَّمه مسلسل "كفر دلهاب"، في محاولة هامة لمقاربة مواضيع محلية بطريقة شبه هوليوودية، من حيث الصورة والمضمون.. فالصورة جديدة ومتطورة، والقصة المفعمة بالإثارة تشبه في خطوطها العريضة بعض ما تمت معالجته في عدد من الأفلام الأميركية.

بدأ المسلسل بمشاهد التشويق والرعب والسحر الأسود التي تم توظيفها في سياق الأحداث، وتضمنت الكثير من المفاجآت المثيرة والظواهر الخارقة، ثم حصل تحول هام ومستغرب في المسلسل؛ حيث شهد هبوطاً حاداً في المنحنى البياني لمستوى الإثارة والرعب، وتباطؤاً في تسارع الأحداث، عندما بدأ "شهاب" يسترجع أو يقدم تفسيراً منطقياً لبعض المشاهد الغامضة بشكل غير مقنع في المجمل،

مع ترك بعض الأحداث الملغزة معلقة، مما ملأ المشاهد بشعور بالغفلة وخيبة الأمل، وأوحى برتابة المسلسل وسطحيته؛ إذ تحول إلى مجرد سرد مخيف لقصة انتقام عادية ككثير من قصص الانتقام المكررة في الدراما؛ ليتبين فيما بعد أن كل ذلك كان مقصوداً، وأن صناع العمل قد نجحوا، بذكاء، في التلاعب بعقل المشاهد وتحويل تركيزه إلى مكان؛ لتأتيه المفاجأة الصاعقة والمستفزة من مكان آخر، وهو ما جعل المسلسل علامة فارقة، بالرغم من بعض الأخطاء التي لم يخلُ منها؛ لأنها ببساطة لم تعد مهمة!

فحتى ما قبل النهاية بخمس دقائق فقط، ظن المشاهد أنه ليس إلا عملاً روتينياً آخر يحكي عن صراع بين الخير والشر، انتهى بطبيعة الحال إلى انتصار الخير.

خمس دقائق أخيرة قلبت الطاولة على الجميع، وفسرت الغموض، وأجابت -دون إجابات حقاً- عن كل الأسئلة والألغاز.

خمس دقائق، نصبت مرآة في دواخلنا، فعكست ميلنا للتعاطف مع الظلم المبطن تحت ستار تحقيق العدالة، وكانت أشبه بمحاكمة ذاتية -متأخرة- لفطرتنا الإنسانية، من خلال تقبلنا أو استنكارنا لطريقة الثأر، والتي انطوت على كثير من الظلم الجلي والخفي في آنٍ معاً.

خمس دقائق، صفعت المشاهد بما يعلمه أو يجهله أو يتجاهله من عداوة الشيطان الأزلية له وتربصه به، وأظهرت بعض مكائده ومداخله بطريقة صادمة، لكنها تفوق الماء العذب وضوحاً وسلاسة.

خمس دقائق، فسرت معركة الوجود بين الشيطان وابن آدم، وأثارت الشكوك حول مفهوم الخير المطلق والشر المطلق في أفعال البشر، وواجهت الإنسان بالالتباس والتشكيك في خياراته في الدنيا والتي سيحاسب عنها في الآخرة، كما طرحت معضلة أخلاقية حول استخدام وسائل ظالمة -عمداً أو عفواً- في سبيل نصرة القضية العادلة.

تتجلى عبقرية المسلسل في أنه كلما حاول عقلنا حصره في دائرة ضيقة، وقصره على رسالة معينة، اتضح أن رسالته هي أعم وأشمل، فهو قد تعدى فكرة الإسقاط السياسي المحدودة والمعقولة، إلى الإسقاط الحياتي الأكثر شمولية ومعقولية في شرح سلوك البشر.

بالنتيجة، لقد قدم المسلسل تجسيداً صريحاً لتلبيس الشيطان، وسريانه من ابن آدم مسرى الدم، وتزيين الباطل له باختلاق الأعذار والحجج، فمعظمنا يجد مبرراً لفعله، خيراً كان أم شراً، وهو ما فعله الشيطان نفسه عندما عصى الله سبحانه وتعالى ورفض السجود لآدم.

إن كثيراً من الخطايا والآثام ترتكب باسم قضايا عادلة، فتنزع عنها عدالتها، لا بأيدي الظلمة الأشرار من أعدائها؛ بل بأيدي أصحاب القضية العادلة أنفسهم، فكم من شرور وفظائع اقترفت بحجة القصاص وتحقيق العدل!

إن مظلمة واحدة، هي نتاج لمظالم سابقة، قد تكون سبباً في مظالم جديدة، تطال كثيراً من الأبرياء الذين يتحولون بدورهم إلى "دلاهيب" محتملين، مما يؤدي لتفشي الظلم كوباءٍ معدٍ لا ينجو منه إلا من فطن لكيد الشيطان، وحصن نفسه من مداخله، فمنع اكتمال دائرة الظلم والدم والخراب في الأرض على يد الإنسان المكلف بإعمارها في الأصل.

هل هذا يعني الركون والاستكانة للظلم والتهاون في دفعه؟
لا، ولكنه يعني أن نعمل إيماننا، وأن نلتزم بالمبادئ والأخلاق دون حيدة أو تبديل عند السعي للقصاص ودفع الظلم عن أنفسنا أو عن سوانا.

لقد كان دلهاب في لحظة الحقيقة الأخيرة يخاطب كلاً منا، ويواجهنا باختياراتنا الصعبة في الحياة.

وبرأيي كان من الأوجه والأفضل ترك الخيار مفتوحاً في نهاية المسلسل، دون حسم المعركة لصالح الشيطان، والجزم بتبعية الإنسان له، حتى بعد اكتشافه الخديعة وسفورها أمامه!

نحن جميعاً، في علاقاتنا الإنسانية، من أبسطها إلى أعقدها نعيش في كفر دلهاب؛ حيث لا تخلو العلاقات بين البشر من ظالم ومظلوم، فكل مظلوم يتحول إلى ظالم يصبح دلهاباً مكملاً لدائرة الظلم والدم والخراب، أما مَن يحتكم إلى الشرع والإيمان في فعله ورد فعله، فليس لدلاهيب الإنس والجن من سلطانٍ عليه.

فلنخرج دلهاب من الكفر، ولندع عند كل لحظة اختيار: "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.