المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير عبده Headshot

العطاء سعادة للجميع

تم النشر: تم التحديث:

وما يزال حب العطاء عطيّة كبرى وهبة عظمى من المعطي الوهاب -سبحانه وتعالى- للإنسان، كما أنه الهدية الأحلى والأغلى التي يمكن أن يقدمها المرء لنفسه ولمن سواه على حد سواء، حيث إن لحظةَ عطاءٍ واحدة، على قصرها، تختزل معاني نبيلة وأحاسيس جليلة قد لا يدركها الإنسان في سنين طويلة، وقد لا يدركها أبداً مهما امتد به الأجل.

ففي لحظة العطاء، تسعدك البهجة التي ترتسم على الوجوه، ويأسرك الامتنان الذي تشع به العيون، ويشجيك؛ بل ربما يبكيك سماع الألسنة وهي تلهج بالدعاء لك وبالثناء عليك.

حسبك كل هذا لتختبر لذة بمذاق مختلف، وتستشعر سعادة لا مثيل لها، مما ينبئك بأن الله قد عجّل لك ثواب عطائك تواً، في لحظة العطاء ذاتها، فضلاً عن آجل الثواب في الدنيا والآخرة..
هنالك، حين تتأمل في هذا الفيض الغامر من الشعور الإنساني والوجداني، والإيماني في كثير من الأحيان، تتفكر لنفسك قائلاً: يا إلهي.. حتى بذْلنا للغير يمكن أن ينطوي على شيء من إشباع الأنا وحب الذات.

حيث إن العطاء النابع من القلب، على سهولة فعله أحياناً، وصعوبته أحياناً أخرى -إذ إننا نعيش حالة من مقاومة شح النفس، فنبذل ونعطي على الرغم من غريزة حب التملك الفطرية لدينا كبشر ضعاف النفوس في المجمل- عطاؤنا، في كلتا الحالتين، يمنحنا شعوراً غامراً بالسمو والفخر، فتمتلئ نفوسنا راحة ورضا لا نعرف لهما مثيلاً مهما اجتهدنا وسعينا حثيثاً في مطاردة أسبابهما الأخرى.

ويحدُّ من إمكانية العطاء وقيمته وجدواه، أن نقصره على الأشياء المادية أو العينية فقط؛ بل إنه أوسع وأرحب من ذلك بكثير، فهو يشمل كل ما يمكن أن يجلب شيئاً من السعادة للآخرين، ويشعرهم بالحب والاهتمام من خلال منحهم ما يفتقدونه هم، وليس بالضرورة ما نرتئيه نحن لهم، فليس كل البشر في حاجة إلى المال، ومع ذلك فهم، جميعاً، على اختلاف مستوياتهم، في أمسّ الحاجة لتلقِّي العطاء بشكل أو بآخر.

فلعل عيادتنا شخصاً مريضاً ومجالسته ورعايته وابتسامتنا الحانية في وجهه- أغلى وآثر لديه من كنوز الأرض وثرواتها، ومثل ذلك أن نظهر الاهتمام والدعم لمن هم في أزمة أو ضائقة أو كرب، أو أن نقول شكراً لمن فعل شيئاً لطيفاً من أجلنا فنشعره بعرفاننا وامتناننا دون أدنى عناء منا، ودون أن يكلفنا ذلك شيئاً، مما يشجع الآخرين على حب العطاء والاستمرار فيه بدورهم.

إن قدرتنا على العطاء تتعاظم وتتسامى إذا نحن أدركنا بالكامل معناه وأوجهه، واستشعرنا أثر فعله في النفوس.. ولذلك، فليس حتمياً أن ينعم كل من يعطي باختبار سعادة العطاء مهما كانت قيمة عطائه؛ إذ إن تلك السعادة لا تتأتى لكل مُعطٍ، فهي ككنزٍ مخبأ خلف باب ضخم له مغاليق محكمة ولا سبيل لفتحه إلا بمفتاح سري بغية الظفر بما وراءه.

والمفتاح السري للعطاء يكمن فقط في" كيف نعطي"، ولم يكن يوماً ولن يكون "ماذا أو كم نعطي".

إن حفاظنا على ماء وجه المعطَى واحترام إنسانيته وصون كرامته- لهو دليل على إنسانيتنا ونقاء سرائرنا وإخلاصنا وصدق نوايانا.

أما اتباع العطاء بالمن والأذى، فيحبط قيمته ويجعله كأن لم يكن، وهنا يكمن غبن الذات والخسارة المركبة.

فيا أيها الطامح لتُسعدَ وتَسعدَ بعطائك في الدنيا، الطامع في نوال جزائه في الآخرة.. أعطِ كما لو كنت أنت من ينال العطاء، وامنح كما لو كنت أنت الممنوح لا المانح؛ لأن من تعطيه في واقع الأمر هو المتفضل عليك؛ إذ كان منحك إياه سبباً في منحك، أنت، سعادة ورضا من نوع آخر، وثواباً عظيماً ينفعك بين يدي الله.

حينها فقط، يصبح عطاؤك ذا قيمة ومعنى، فتستشعر أثره في نفسك وفي حياتك، وتنتشي بلذة البذل حتى لَتحسب أنك قد هجرت أرض البشرية الفانية إلى سماء الملائكية السرمدية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.