المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير عبده Headshot

لين وليلى.. صورة للتقارب الإسلامي المسيحي

تم النشر: تم التحديث:

عادت من مدرستها بعد عطلة عيد ميلاد السيد المسيح، كانت تردد أغنية تتضمن بعض عبارات السخرية من "بابا نويل" اعتدنا أن نسمعها في الصغر من بعض الأطفال الذين كانوا يغنونها بغية لفت الأنظار واستجلاب ضحكات الرفاق، معتقدين بسذاجتهم الطفولية أن ترديد هذا النوع من الأغاني دليل على الظُّرف وخفة الدم، وقطعاً، لم يكن بقصد الإساءة من قِبَلهم.

منذ صغرها، اعتادت ابنتي لين أن تطرح الكثير من الأسئلة الحرجة والمحرجة، شأنها في ذلك شأن سائر أقرانها من الأطفال. وبدوري، حرصت على أن أجيب عن أسئلتها بشكل مبسط، محاوِلةً، قدر الإمكان، تجنّب الخوض في مستنقع التفاصيل لئلا أتسبب في إرباكها وأثير فضولها بمزيد من الأسئلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمسائل الوجودية أو الغيبية أو الخلافية، فقد آثرت ألا أحمِّل عقلها الطفل ما لا يحتمل، مع الحرص على عدم تسخيف أو تمييع أو تسطيح، والأهم تحريف، الثوابت بدعوى أنها طفلة لا تفهم.

كانت لين تردد الأغنية بحماسة عندما سألتها (باللهجة المحكية): ليش عم تغني هالغنية ماما؟ ومن وين سمعتيها؟
قالت: لأنها مضحكة، سمعت رفقاتي بالمدرسة عم يغنوها فتعلمتها منهم.

قلت لها: حبيبتي لو سمحتِ لا تغنيها مرة تانية؛ لأنو غلط.
قالت باستغراب: ليش غلط؟! رفقاتي كمان بيغنوها، عادي ماما، عم نمزح.. ثم أشاحت بوجهها وعادت لغنائها، لكن بصوت خفيض أقرب إلى الهمس.

قلت لها: ماما لو عندك رفيقة مسيحية بالصف وسمعتك عم تغني هالغنية بتزعل كتير، لأن "بابا نويل" رمز من رموز عيد الميلاد، المقدس عند المسيحيين، أنتِ بتقبلي حدا يسخر من شي بدينك؟
فأجابت: لا طبعاً، معك حق ماما، آسفة.

قلت لها: لا تعتذري؛ لأنك ما كنتِ بتعرفي، بس لا ترددي هالغنية أو أي كلام فيه استهزاء بأي حدا. ببساطة؛ اللي ما بترضيه على حالك لا ترضيه على غيرك، هيك بتحددي شو الصح وشو الغلط بالتعامل مع الناس.

ثم سألت: يعني نحنا المسلمين ما منحتفل بعيد الميلاد ورأس السنة؟
أجبتها: لا، لأنها ما أعيادنا.
قالت بتأثر: ليش ما كل الناس بيحتفلوا بكل الأعياد مع بعضون؟!

قلت لها: لأن كل إنسان بدينه في أعياد محددة بيحتفل فيها، نحنا مسلمين، وديننا ما أمرنا نحتفل بعيد الميلاد ورأس السنة، ولا حتى بمولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
بالإسلام في عيدين فقط؛ عيد الفطر وعيد الأضحى، بس هاد ما بيعني إننا نسيء لأعياد غيرنا.

صمتت قليلاً، ثم ذرفت الدموع وقالت: ماما بتتذكري ليلي؟ اشتقت لها كتير..

لم أبتعد بالذاكرة.. ليلي؛ الطفلة الأميركية المسيحية، التي لا تنساها لين ولا أنساها، نشتاق إليها ونفتقد حضورها اللطيف، ولطالما رأيت أنها من أفضل الأطفال الذين قابلتهم في حياتي وأكثرهم أدباً واحتراماً واتزاناً، كانت جارتنا في جدة، ثم عادت مع عائلتها للاستقرار في الولايات المتحدة الأميركية.

كانت ليلي في العاشرة، وكانت صديقة مقربة لابنتي لين التي تصغرها بعامين، اعتادت أن تزورنا بشكل شبه يومي في رمضان، فتقضي أغلب النهار في بيتنا. ولعلمها أننا جميعاً صائمون، كانت تصوم النهار بأكمله ثم تفطر معنا، حتى إنه كان لها مكانها وطبقها الخاص على مائدة الإفطار، كفرد من العائلة، مع أني كنت أخبرها بأنها ليست ملزَمة بالصيام مثلنا، وأعرض عليها أن تأكل، لكنها كانت ترفض أن تفطر قبل أذان المغرب مراعاة لنا.

لم تكن لين تعلم أن ليلي مسيحية، لذلك كانت تطلب إليها أن تردد الأدعية عند الإفطار، ولا تدَعها تدخل الحمام قبل أن تلقنها أذكار دخول الخلاء والخروج منه، ومع أنها لا تتحدث العربية، كانت ليلي تكرر الأدعية والأذكار خلف لين بلغة عربية مكسرة.. إلى أن جاءتني يوماً وقالت لي: هلا شرحت للين معنى كلمة مسيحية؛ لأني أخبرتها بأني مسيحية فلم تفهم ما أعني!

أجبتها: حسناً، لكن ما الذي دعاكِ لإخبارها بأنك مسيحية؟!
قالت: لأنها تلح عليّ دائماً أن أردد صلوات وأدعية إسلامية، وأنا لا أرغب في ذلك، فرأيت أنه من الأفضل أن أخبرها بأني مسيحية.

وعلى الفور، شرحت للين باللغة الإنكليزية أن ليلي مسيحية ومعنى ذلك، فقالت بدهشة: لكن، ما الفرق؟! ألسنا جميعاً نعبد الله؟
أجبتها: نعم، لكن بطرق مختلفة.. كلّ حسب دينه واعتقاده.
فسألتني السؤال "الكبير": لكن، هل جميعنا على حق؟

قلت لها: لا، كلّ منا يعتقد أن دينه هو الحق، ولكننا كبشر لسنا مكلَّفين أن يحاسب بعضنا بعضاً، أو أن ننتقص المخالفين، ولا يصح بحال أن نزدري أديانهم أو نحاكمهم مع إقرارنا باختلاف معتقداتنا دون مواربة. يجب أن يحترم بعضنا بعضاً ولو أن بيننا اختلافاً.
ليلي هي صديقتك اللطيفة الطيبة، ليس من شأنك ما هو دينها بقدر ما يهمك الطريقة التي تعاملك بها، لذا أرجو منك أن تحترمي رغبتها وتتوقفي عن تلقينها الأدعية والأذكار، فقالت: حسناً، سأتوقف عن ذلك.

ومع مرور الوقت، بدأت لين تحكي لي بعض قصص الأنبياء، كما سمعتْها من ليلي، حسب رواية التوراة والإنجيل، وتسألني عنها، فأخبرتها بأننا كمسلمين نؤمن بقصص الأنبياء كما وردت في القرآن؛ لأنه كتابنا المقدس، ما وافقه أخذنا به، وما لم يوافقه فهو ليس من ديننا، لكنه دينٌ لغيرنا، أي إننا لا نعتقد به ولا نسيء إلى معتقديه.

لقد قدرتُ ليلي كثيراً عندما صامت معنا في رمضان، وقدَّرتُها أكثر عندما لم تشعر بالحرج أو تتردد في أن تقول: أنا مسيحية، أمارس ديني وصلاتي بطريقة مختلفة عن المسلمين.

هذا درس في معنى "لا إفراط ولا تفريط" من طفلة في العاشرة من عمرها، يجدر بالكبار أن يتعلموه عند مقاربة موضوع اختلاف الأديان والعقائد؛ بل جميع أنواع الاختلاف.

إن العلاقة بين الطوائف المختلفة في العالم العربي تتقلب على صفيح ساخن؛ لأنها تفتقد ضوابط مجتمعية واضحة وصريحة تحددها. فكثيراً ما ندور في فلك حوارات، هي أقرب للمجاملات، عن مظاهر التعايش والتسامح، ليتبين لاحقاً أنه تسامح "هش" قابل للانهيار بفعل أبسط احتقان أو توتر، فقط لأننا لا نجرؤ على أن ننفتح على فكرة تقبّل الاختلاف في العقائد؛ خشية أن نُتّهم بالتعصب وكراهية "الآخر" -مع "كراهتي" لهذا التوصيف.

لذلك، فإننا، في الغالب الأعم، نتأرجح بين طرفي نقيض، إما تسامح مائع ساذج وإما تعصب متنطع أحمق، مع غياب أو تغييب لمنهج الوسطية الصحيحة.

ألا يستقيم أن أكون متسامحاً محترِماً أن أحداً سواي في الكون يعتنق ما لا أعتنقه ويخالفني في الاعتقاد وأكفل له هذا الحق بغير ازدراء أو تسفيه، مع تمسُّكي بثوابت اعتقادي والتزامي به، دون أن ينسبني إلى التعصب الديني أو الطائفي؟!

ألا يستقيم، على سبيل المثال، ألا أقر بمشاركة المسلم للمسيحيين في أعيادهم، وفي الوقت ذاته أجرّم وأرفض بشدة وأحزن لأي اعتداء يقع عليهم؛ لأن كل النفس حرام إلا بحقها، لم يحدد الله لنا في هذا ديناً أو طائفة أو جنساً؟!

إن اعتقاد المرء هو شأنه الخاص ما لم يتعدَّ على دين غيره أو رموزهم، فجميعنا، مسلمين أو مسيحيين أو أياً كان ما ندين به، ندرك أننا نحمل عقائد مختلفة.

نعم، ليس من المصلحة إثارة الأمور الخلافية كيفما اتفق، ولكن التظاهر بعدم وجودها أو إنكارها بالمطلق لا يلغيها أو يغيرها في شيء؛ بل لعله مؤشر على الريبة وانعدام الثقة والتخوّف من تعصب خفي ظاهره تسامح جلي.

منذ القِدم، وشِرار الساسة في العالم يكرّسون خلطاً متعمداً للأوراق بين الديانات والطوائف المختلفة من شأنه إثارة النعرات وتعميق الكراهية عبر افتعال الفتن وإذكاء نزعة الأقلية والأكثرية، لغايات هي بالقَطع ليست نزيهة، ولا تنبع من حرص على أقلية أو أكثرية، وإنما لدوافع سياسية بحتة، وهنا بالذات يبرز دور الوعي المجتمعي في إحباط محاولات تأجيج الفتن.

قيل: "الحكمة هي وضع الشيء في موضعه".. ليتنا جميعاً نبدأ في أن نكون حكماء.. كما هي ليلي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.