المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير عبده Headshot

ماذا تنتظرون أيها المصريون؟!

تم النشر: تم التحديث:

لا أنفكُّ أستحضر قول جرير في عمر بن أبي ربيعة: "ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر"، وما زال ابن أم عبد الفتاح يهذي، فلا يقول شعراً ولا نثراً؛ بل يأتي بعجائب وحماقات لو تفنن جحا وأشعب واجتهدا لعجزا عن الإتيان بها، ولشهدا له بأنه السيد المطلق لصنعة الفكاهة الرديئة.

لن نستعرض نوادر "الدَّكَر"، فهي غزيرة وغنية عن البيان، بدءاً من "اللي ما يرضيش ربنا إحنا معاه.."، مروراً بملهاة قمة العشرين و"ثلاجة السيسي" الشهيرة، وأخيراً وليس آخراً "بكائيته" العاطفية.. والسلسلة التي تطول، لا ولن تنتهي إلا بانتهائه أو إنهائه.

هذا هو الجانب الطريف الكوميدي في شخصية السيسي؛ بل لعله ألطف وأرق جوانبه، فخلف ضحكته البلهاء وكلماته الجوفاء ولغة جسده الرعناء، يتوارى قاتل دموي، خائن لعهده، بائع لأرض وطنه ومقدرات شعبه، وخلف كل ذلك، يجثم ديكتاتور سادي، ونرجسي مهووس بذاته إلى درجة تصل إلى حد جنون العظمة وتقديس الذات.

ولئن كان المقام يضيق عن ذكر طرائف السيسي المضحكات المبكيات، فهو عن ذكر فظاعاته وجرائمه بحق مصر وشعبها على الصعيدين الداخلي والخارجي أضيق.

وهنا يجدر الانتباه إلى أن السيسي "الشخص" -ولا أقول الإنسان- هو صنيعة نفسه وبيئته وظروف نشأته، أما السيسي "الرئيس"، فلم يأتِ بمحض المصادفة، ولم يهبط بالباراشوت على الشعب المصري، فقد صُنِعَ على عين أعداء مصر؛ ليتم زرعه على رأس السلطة فيها؛ لأن رئيساً مثله هو أسوأ ما قد يحدث لمصر، وأفضل ما قد يحدث لأعدائها، وهذا ما ثبت بالفعل خلال سنوات حكمه العجاف.

لطالما كان الشعب المصري، وفي القلب منه الشباب، محط إعجاب وتقدير على مستوى العالم -لا سيما بعد ثورته العظيمة في يناير/كانون الثاني 2011- فهو شباب مثقف مؤدلج، لديه من الذكاء والإبداع والقدرة على مواكبة التطور والحداثة ما يخوله للريادة، ويجعله قدوة يحتذى بها بين الشباب العربي.

وهنا تبرز أسئلة مُلحَّة:
كيف وصل الأمر بمخلوق على شاكلة السيسي إلى أن يحكم شعباً رائداً ولبيباً كالشعب المصري؟!
وفي المقام الأول، كيف يستقيم أن "الشعب العظيم" الذي صنع 25 يناير وقدم التضحيات في سبيل الديمقراطية والحرية والكرامة، هو ذات الشعب الذي استبدل رئيساً منتخباً، في عملية ديمقراطية كانت أكبر مكتسبات ثورته، وأتى بجنرالٍ منقلب؟!

لقد نصركم الله أيها المصريون في ثورة 25 يناير، وأعطاكموها بالطريقة السهلة، وقيَّض لكم من يدعمكم في مرحلة ما بعد الثورة، فاستبدلتم الخبيث بالطيب، وأبيتم إلا أن تخوضوا الصعاب وتدفعوا ثمن الثورة فادحاً، فكنتم كمن بلغ عنان السماء على بساط الريح، ثم هوى بنفسه إلى وادٍ سحيق، فصار لزاماً عليه أن يتعافى من آثار السقوط المؤلم، قبل أن يبدأ رحلة الصعود المضنية من جديد.

أما وقد كان، فهل ستمضون في السماح لنيرون مصر بأن ينحدر بكم نحو قاع الأمم، ويكون عائقاً أمام نهضتكم الجديدة؟
وإذ أنتم تقبلون بالوصاية العسكرية الأشبه بالاحتلال، فلماذا إذاً تمردتم على أكذوبة أخونة الدولة ورضيتم بحقيقة عسكرتها؟!
على الأقل، فإن الإخوان إبان توليهم الحكم كانوا خدماً لكم يسعون لتحسين حياتكم ونهضة بلادكم رغم الجذوع الضخمة التي وُضعت في عجلات الدولة من جهات محلية وإقليمية ودولية بغية إفشال تجربتهم لأسباب يعلمها القاصي والداني.

أما السيسي وعسكره، فلا يتعاملون معكم إلا بمنطق السادة والعبيد، وكأنهم فراعنة جدد -لكن دون حضارة الفراعنة- وهم إذ شارفوا على الإفلاس قد استنفروا ماكينة الدعاية الرخيصة التي تتحكم بها ثلة منتفعة من سدنة النظام وأذرعه الإعلامية الأخطبوطية كي تلتف حول عقولكم وتبث فيكم سمومها، أو تلهبكم بسياط الاستعلاء والتسفيه.

لقد قتل العسكر أبناءكم واعتقلوهم وعذبوهم، وسرقوا مكتسباتكم، وباعوا أرضكم ومقدراتكم، وفرطوا في مائكم، وسلبوا حريتكم، وامتهنوا كرامتكم، فماذا تنتظرون لتتحدوا جميعاً على قلب رجلٍ واحد فتسقطوا حكم العسكر وتملكوا أمركم من جديد؟
بالله عليكم ماذا تنتظرون؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.