المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير عبده Headshot

مراجعات في "ثورة الغلابة"

تم النشر: تم التحديث:

وكأن الدعوة للثورة يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني كانت شيفرة غامضة أُرسلت إلى المصريين عبر الفضاء الخارجي، أو عملاً خفياً جاءهم من عند الأسياد في العالم السفلي، فالجميع، سواء ممن أيَّدوا هذه الدعوة أو رفضوها، أو وقفوا على الحياد منها، جميعهم صرَّحوا بعدم علمهم بمصدرها، ومَن هو محركها الفعلي، وما هي دوافعه وأهدافه.

هذا، مع سواه، كان سبباً في عدم ارتياح الكثيرين لها، فلا أحد يرغب في أن يرتبط اسمه بثورة لقيطة أو مجهولة النسب.

وبغض النظر عن خلفية هذه الدعوة وتداعياتها، فقد كان حجم التجاوب الهزيل معها في الشارع المصري متوقعاً بالنظر إلى المناخ السائد في مصر بعد الانقلاب العسكري، مما جعلها أشبه بنكسة للحراك الثوري الفعلي، وطوق نجاة "مؤقتاً" لنظام السيسي الغارق في أمواج عاتية من الأزمات الداخلية والخارجية.

وبعيداً عن الحسابات السياسية والبراغماتية، وعن نظريات المؤامرة.. وبحسابات المبادئ، فإن هذه الدعوة كانت تتعثر بالكثير من المعضلات الأخلاقية التي يتعين الانتباه إليها لتجنب الوقوع في فخ دعوات مماثلة مستقبلاً بما قد يؤدي لإفراغ معنى الثورة السامي من مضمونه.

ثورة عن "عزومة" تفرق

الثورة فعل نقي وواضح، لا يحتمل الكدر أو الضبابية، ليست مجرد عزومة عشوائية اعتباطية تقيمها فئة معينة من المواطنين (نازلين يعملوا ثورة في يوم كذا، واللي نفسه يثور.. يتفضل معاهم، كان ناقص يوزعوا كروت دعوة للحضور!).

بين الثورة الحقيقية و"عزومة 11/11" أزمنة ضوئية من النبل والجمال، تتمثل في الفارق بين حراك إنساني دافعه فطرة الإنسان السليمة لممارسة إنسانيته كاملة، وبين حراك مدفوع بغريزة الجوع التي تثير ثائرة البشر وغيرهم من المخلوقات إلى درجة التوحش والجنون أحياناً، هي إذاً الفطرة مقابل الغريزة.

وهنا يجب التفريق بين أمرين:
الأمر الأول: معاناة "الغلابة"، التي يجب أن يكون القضاء عليها من ضمن مطالب أي ثورة، وهو ما حققته بالفعل ثورة يناير/كانون الثاني عندما رفعت كلمة "العيش" في مقدمة شعارها قبل "الحرية والعدالة الاجتماعية"، علماً أنه لو تحققت الحرية والعدالة الاجتماعية فلن يبقى "غلابة" يطالبون بالعيش، مع عدم صحة العكس، فليس بمطلب "العيش" وحده تقوم الثورات. وبلغة الرياضيات، فإن معاناة "الغلابة"، في هذه الحالة، هي شرط لازم وغير كافٍ لاندلاع ثورة شعبية حقيقية.

الأمر الثاني: مبدئية الثورة
هل هي ثورة لمجرد الثورة؟ وهل يستحق حراك من أجل "اللقمة" فقط أن يسمى ثورة؟ وأن يسمى مَن يقوم به ثائراً؟

بطبيعة الأمر، فإن كل ثائر يعود من حيث أتى إذا تحقق المطلب الذي خرج من أجله، فثائر "اللقمة" يعود إذا وجدها، ولا يمكن بحال أن يكون مستعداً للتضحية في سبيلها، فلا أسهل إذاً على صاحب السلطة من إرجاعه بها أو حتى بفتاتها.

إن كثيراً من "الغلابة" الذين ظهروا عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي -مع كل التعاطف مع معاناتهم وشكاواهم- قد أطلقوا صرخات مدوية ملأت الأسماع وهزت القلوب؛ لأنهم، هم أنفسهم، يكتوون في أتون الفقر والجوع، أما لو سُدت احتياجاتهم، وحدهم دون سواهم، لما صرخوا أو تكلموا ولا حتى همسوا ولو هلك جيرانهم جوعاً أمام أعينهم.. فلن يثور لأجل جاره الجائع من كان شبعاناً.

أما ثائر "الحرية والكرامة"، فإما أن يعود بهما أو لا يعود؛ لأنه يؤمن بعدالة مطالبه، وهو على ذلك مستعد لبذل التضحيات لتحقيق هذه المطالب للمجتمع بأكمله دون خضوع للمساومات أو تقديم تنازلات قد تحقق له مكاسب شخصية.
لا تستوي الغايتان ولا الثائران ولا الثورتان.

نعم، ليس بالضرورة أن من يثور للعيش لا يثور للحرية والكرامة، لكن يجب أن يكون الثائر نفسه معتنقاً لهذه المبادئ ومؤمناً بحتمية الثورة من أجلها.

ليس هذا نوعاً من الاستعلاء أو الطبقية الثورية، الفرق كله يكمن في اختلاف نُبل المقاصد لا الشخوص.
من لا يثور لمشهد الدم لا يثور لرائحة الخبز.

من لم تستثِر نوازع الثورة في داخله "رابعة وأخواتها" لا يستحق أن يسمى ثائراً.
من لم يثُر لمن حرقوا وخنقوا في عربة الترحيلات لا يستحق أن يسمى ثائراً.
من لم يثُر للساجدين عند الحرس الجمهوري لا يستحق أن يسمى ثائراً.
من لم يثُر للشهداء والمعتقلين والمعذبين والمنتهكة أعراضهم والمسلوبة ممتلكاتهم لا يستحق أن يسمى ثائراً.
من لم يثُر للمضطهدين والمقهورين والمظلومين في سيناء وفي غيرها لا يستحق أن يسمى ثائراً.

الثورة هي ما سيأتي بحقوق كل هؤلاء، وأي حراك بمطالب أقل من ذلك، ما هو إلا إهانة لتضحياتهم وخيانة لدمائهم وتفريط بالمستقبل.

إن الدعوة التي ستبث العزيمة والأمل في نفوس المصريين، وتجمعهم -رغم اختلافاتهم- في الميدان من جديد، لإنهاء الانقلاب العسكري واستعادة "مِصرهم" من مختطفيها، هي الدعوة الحقيقية للثورة القادمة لا محالة، وأي دعوات أخرى، تحت أي مسمى كان، ما هي إلا أسطوانات مشروخة وأصوات نشاز لا تستحق مجرد الاستماع إليها، ولا تستحق التحليل والبحث للتأكد فيما إذا كانت خلفيتها مخابراتية أم لا؛ لأن مآلها يجب أن يكون على الفور، ودون تردد، إلى سلة المهملات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.