المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبير عبده Headshot

وقوفاً على أطلالِ الوطن.. والأحبة

تم النشر: تم التحديث:

وأي فقدٍ أوقعُ في النَّفس وأوجعُ للقلبِ من فقد الأحبةِ والأوطان؟!

نكبرُ ونحن نرومُ فراقَها وهجرَها، ونبذل الرخيص والغالي في سبيل الرحيل عنها؛ لنطاردَ ما نعتقدُهُ حياةً أرغدَ ومستقبلاً أزهى في مكانٍ آخر من العالم.
نودع أحبتنا، ونهجر أوطاننا، يملؤنا اليقين بأننا حين نعود إليها سنجدها كما تركناها، بكل ما ومن فيها، لن تتغير أبداً؛ بل ستكون في انتظارنا، كما تنتظر الحبيبة حبيبها الغائب، وكأن عقارب الساعة ستتسمر من أجلنا، وأوراق التقويم لن تطوى عن تاريخ رحيلنا.

تستغرقنا السنون في "بلاد الأحلام" بحلاوةٍ ومرارات ونجاحٍ وإخفاقات، فتهرم في الغربة قلوبنا، وتشيخ أرواحنا، مهما بلغت فتوة أجسادنا وصبا أعمارنا.
وعندما يتملَّكُنا الحنينُ في يومٍ، نعودُ إلى الديار -إن نحنُ عدنا- مُثقلين بآلام النأي والفراق ومفعمين بآمال الوصل واللقاء.

نعود، فنجدُ الحجارةَ والحديد كصورتهم في ذاكرتنا، ربما أعتق قليلاً.. ونهرع لنبحثَ عن أولئكَ الذين سالفاً ألِفناهُم وأحببناهُم في ذات المكانِ الحبيب؛ حيثُ كنا يوماً معاً، فلا تقابلنا إلا ظرفيةُ المكان، أما الزمان فقد حالَ وتبدل، وما عاد هو الزمان.. ومنذ تلك اللحظة لا يعود المكان الحبيب حبيباً؛ بل يصبح مجرد المرور به أو ذِكره مبعثاً للأحزان والشجون، وسبباً للحسرة والوجد.

لقد وقعنا في أسر الذكريات والحنين أسراً أبدياً لا فكاك منه؛ لأن الزمان لا ينتظر أحداً، ولا يرجع القهقرى كرماً لأحد.
هنالك فقط، ندركُ أن المكان الذي سكنَّاهُ يوماً ويسكننا أبداً، قدِ اكتسى سحره وعبقه من أولئكَ الذينَ سكنوهُ وأَسكنوهُ ذكرياتٍ تجتاحُنا ونشتاقُها، مع أحباء فقدناهُم أو افتقدناهم، ولذلكَ فإنه، إذ لم يعودوا فيه، قد صارَ أثراً بعدَ عين.

يا ويحَ الشعراء الأقدمين كيفَ وقفوا على أطلالِ المكانِ يبكونها ويتحسرون! والرأي عندي، أنهم كانوا يبكونَ ويَرْثونَ الزمان، زماناً عفا ولن يعود، فلا هم يملكون إليه رجوعاً، ولا فيهِ وقوفاً، فُما كان منهم إلا أن يرجعوا إلى عَينِ المكان؛ ليبثوه حديث النجوى ويتذكروا ماضي الزمان، ويبكوا شوقاً وحنيناً لِمَنْ وما كانَ فيه، وما سموهُ أطلالاً، إلا لأن من أحبوهُم في ذاكَ المكان ما عادوا فيه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.