المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد السلام عز الدين مرتجى Headshot

شرعية الموت.. بين معاذ ومهند ومسؤولية المجتمع

تم النشر: تم التحديث:

لقد كان شخصاً جميلاً مليئاً بالمواهب والجميع الآن يتبادل صوره ورسوماته، لكن بعد ماذا؟ بعد أن رحل عن الحياة، هو لن يشاهد كل هذا ولن يدرك كم ألهمكم جميلُ صنعِه، هنا أتحدث عن معاذ الحاج ذلك الشاب الغزّي القابع في مخيم النصيرات في شقته وحيداً، والذي أبدع برسمه وبفُرشاته ورحل بصمت ولم يحظَ بالشهرة أبداً إلا بعد رحيله، فهل كان يجب عليه الرحيل لنتناول جَميل صُنعه؟

ما أثار استهجاني هو نحن، وكيف أصبحنا ننتظر رحيل أحدهم ثم نبدأ بعدها بالبحث عن حياته، وما كان يصنع، حتى إننا نتفقد منشوراته "الفيسبوكية" ونقرأها حرفياً، لكن لماذا لم نكن نصنع هذا سابقاً؟ لماذا لم نكن نقدّر هؤلاء في حياتهم؟ هل كان على معاذ الرحيل ليتباكى عليه الجميع ويبدأوا بحملات الإشادة؟ ألم يكن بيننا؟

لقد كانت هذه الصفحة داخل العالم الأزرق حيةً نابضةً برسوماته، وكان الضوء الأخضر بجانب اسمه على الدوام، كنا نستطيع حينها التعبير عن مدى إعجابنا به وبرسوماته، كان يعيش في منزله بمفرده، حيث عاش يتيماً ووحيداً، معاذ عثروا على جثته شبه المتحللة داخل منزله بالمخيم نفسه في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، ورغم كونه رسم الكثير وخطّ بقلمه كلمات تتحدث عن الواقع الصعب المعيش في غزة المحاصرة منذ 11 عاماً، لم يحصل على الشهرة أبداً، فإنه حصل على ملايين الأصدقاء بعد وفاته، وأنا أكتب هذا المقال أفجعني خبرٌ لم أتوقعه رحيل مبدعٍ آخر، لقد قالوا عنه الكثير من الأشياء وتداولوا صوره أيضاً كمعاذ، ولكن مع بعض الاختلاف، وهذه المرة كان صديقي صاحب الاثنين وعشرين ربيعاً الكاتب مهند يونس، الذي يمتلك مواهب عديدة وكتابات أدبية ليست بالقليلة، فضلاً عن كونه طالباً بكلية الصيدلة أيضاً.

لقد قالوا إنه رحل منتحراً لم أصعق من الانتحار كصعقتي من ردود الأفعال على وفاته، لقد بدأ الجميع بالكلام أيضاً، فمنهم مَن بدأ يتداول كتابات مهند رغم كونها كانت منتشرة، إلا أن عداد قراءتها بدأ بالعمل بعد رحيله، ومنهم مَن نصب نفسه قاضياً ومفتياً شرعياً وحكم على مهند بالكفر، وآخرون بدأوا باختلاق القصص والافتراءات، والجميع الآن مشغولٌ بمهند الذي كان قبل يومٍ من رحيله كأي شاب في غزة يعاني البطالة والتهميش، ولكنه الآن حديث مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ ذلك السؤال نفسه يراودني: "هل كان على معاذ ومهند الرحيل لنعلم بوجودهما؟".

خلاصة القول إنني توصلت إلى طبيعتنا البشرية المقيتة التي ترى في الإنسان بخير كونه يتنفس ويأكل ويشرب، وتأبى منح الثناء لشخص قاده فكره وعقله لصنع الإنجازات، ولعل قصة معاذ ومهند قد زرعت في بعض عقول المثقفين وأصحاب الإبداعات الناشئة فكرة شرعية الموت وفوائده، لعل أحدهم يفكر الآن ماذا لو كنت مثلهم؟ ماذا لو فارقت الروح الجسد؟ ألن يعرفني الناس ويشاهدوا صنيعي ويتداولوا صوري فيما بينهم، حتى لو كنت ميتاً خيرٌ من أن لا يعرفوني؟

وهنا ألوم طبيعتنا التي قادت البعض للتفكير بهذا الشكل، فلنغير من أنفسنا ولنمنح كل ذي حق حقَّه، ابحثوا عنهم الآن وقوموا بدفعهم إلى الحياة حتى لا يصلوا إلى مرحلة الموت الذي يرونه جميلاً في ظل انشغالكم بتوافه الأمور.

نحن بحاجة إلى ثقافة العطاء والتقدير والاعتراف بالجميل مع مراعاة التوقيت، لن ينفع كل هذا إن جاء متأخراً، ولن ينفعكم تباكيكم وحروفكم بعد وقوع الفاجعة، قدّموا لهم تلك الوردة في وجوههم قبل أن يدركهم الموت، وعندها لن تنفع باقةٌ كاملة من الورود على قبورهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.