المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالوهاب العمير Headshot

اليأس.. الزراعة البائسة

تم النشر: تم التحديث:

في بلد ينتمي للعالم الثالث كما يحلو لهم تسميتنا، تتناثر بعض العمليات التنموية هنا وهناك -من غير تخطيط طبعاً- ربما بفعل إخلاصٍ نادرٍ من مسؤولٍ حكوميٍ أحياناً، أو بفضل مبادرة أمينة قدمها ناشط مجتمعي أو أكثر أحياناً أخرى، ثم ما تلبث أن تزول قبل اكتمالها أو نضوج ثمارها برد فعلٍ من ذلك الديكتاتور الذي لا يرى إلا نفسه، أو بقرار من مسؤولٍ آخر ظاهره خدمة الشعب وباطنه من قبله عذاب التبعية لدى مصلحة داخلية أو خارجية لا تعيش إلا على أنين العامة.. اليأس هنا يُزرع في نفس ذلك المسؤول المخلص أو ذلك الناشط المبادر الأمين.

وفي بلد آخر -أيضاً من تلك الدول التي تسمى بالعالم الثالث- يضغط المصلحون في سبيل استرداد حق الشعب في اختيار ممثليه في البرلمان، ومن ثم اختيار حاكمه حتى يقبل الطغاة مكرهين، فيُدفع الناخبون إلى صناديق الاقتراع؛ ليضعوا فيها أصواتهم، فيُقبلون عليها، وكأن كل صوتٍ فيها هو صوتٌ لأحلامهم، فتمتد يد التزوير لتبدد أحلام الناس في إصلاح الحكم أو مراقبة الحاكم فضلاً عن محاسبته بعد ذلك.. اليأس أيضاً هنا يُزرع في نفوس كل ناخب حالم أو مصلح دُفع به إلى صناديق الاقتراع.

ويستمر الأنين، فالحاكم لا يسمع إلا نفسه، وربما جمع حوله مريدين كشيوخ الزوايا، فهم يقدسونه ويسبحون بحمده، فلو رفع رأسه لحسبوها له قوة في وجه العدو الخارجي المبغض، ولو خفضه لعدوها له خدمة للشعب التابع المحب، إنه في قاموس مريديه العبقري الذي لا ينتصر الشعب إلا به ولا يعيش إلا على غبار أفكاره.. الشعب في الحقيقة يموت كل يوم مرات واليأس يُزرع في كل نواحيه.

يتجمع البؤساء أحياناً على شكل تكتلات فئوية أو عمالية أو طلابية فتقف لها آلة القمع، فترمي عليهم تُهم التخريب وإقلاق السكينة العامة التي بالتأكيد ستكون جاهزة في دواليب الغرف الإعلامية الموالية، فينتظم الموالون في حلقات إعلامية توزع تلك التهم بلا ضمير لتزرع اليأس في كل صفوف أولئك البؤساء الصادقين.

في ظل تلك التجاذبات بين نظريتي البناء والهدم تحت إشراف الديكتاتور ورعايته الخاصة لكل أساليب الهدم مع قوة علاقاته الدولية والإقليمية، تكون الأيام سريعة في عرف أهل النفاق والنفعيين وأصحاب المصالح، فهم بحاجة إلى مزيد من الوقت لإشباع بطونهم المنتفخة، وهي نفس الأيام البطيئة على تلك النفوس التواقة للتغيير والإصلاح قبل أن يثمر فيها اليأس المزروع.

يتضاعف الأنين فيتحول إلى أصوات غاضبة، فالانتهاكات غير المبررة صارت جزءاً من حياة الناس التي أصبحت كالقش الذي ينتظر عود ثقاب يشتعل فيه فيحرق الجميع.. فيفعلها بوعزيزيٍ انتمى روحه إلى كل مدينة أو قرية في أي بلد -من العالم الثالث طبعاً- تضاعف فيها ذلك الأنين، فلا يميتُ اليأسَ -ذلك الغراس البائس- إلا ثورةُ الربيع، فهي ثورة الأمل فتأبى إلا أن تكون غيثاً من السلام ليرعوي الطغاة (ثورة سلمية رغم قوة الألم).

حماية الطغاة.. عنوان المرحلة القادمة لزارعي اليأس في نفوس الثوار الذين تساموا على الجراح، الثوار الذين استعملوا آليات الديمقراطية فأخرجوا الطغاة من الأبواب، فتلقفتهم مصانع التكرير فأعادتهم من النوافذ أحياناً (اليمن أنموذجاً) ومن الأبواب أحياناً (تونس أنموذجاً) بينما صنعت بدائل مقدسة من جنسهم في أرض مصر وبديلاً طائفياً في أرض العراق، ولما لم تجد للطاغية بديلاً جاهزاً في أرض الشام أبقت عليه ليقذف آلافاً من براميل النار لتوزع اليأس الحقيقي الذي يعرف بين الناس بالموت.. مصانع تكرير وتنويع الطغاة هي أقوى مولدات اليأس، تلك الزراعة البائسة.

هل تثمر تلك الزراعة؟ هل ييأس الرجال؟
كلا، ففي كل بلد جيل قد شب عن طوق اليأس، وفي كل جيل ثم مصنع للوعي أو يزيد، فالوعي يزرع السلام والإنتاج والإقدام في وقت واحد حتى تمضي الأمور بالأمل إلى عمل ديمقراطيٍ فتيٍ طموح.. لن يستسلم الطغاة وداعموا الطغاة، فالفقر والجهل اللذان منحوهما لأتباعهم سيُرمى في أرض الديمقراطية الخصبة الفتية لينتج اليأس من جديد، فتثمر تلك الزراعة البائسة لتصنع (انقلاب).

اليأس من جديد.. الانقلاب يفتح السجون، ويجعل القضاء آلة للقمع والإقصاء حتى لا يدع لليأس غرساً بائساً في ظنه إلا آتى أكله في نفوس الأحرار.

فيا أيها الأحرار.. حذارِ من ذلك الزرع الآثم! إنه اليأس، الزراعة البائسة التي أرادتها لنا الثورات المضادة ومَن ورائها من أصحاب المصالح وممولوها وداعموها بالقرار السياسي المحلي أو الإقليمي أو الدولي الذي يشغلنا بالحرب تارة وبالمفاوضات تارة وبالانقلابات تارة أخرى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.