المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن الشهري Headshot

نشر المعرفة وقفز الحواجز!

تم النشر: تم التحديث:

لا أعتقد أن أي باحث أو قارئ عربي لم يقرأ أو يطلع على شيء من إصدارات الشبكة العربية للأبحاث والنشر أو في أقل تقدير لم يسمع بها، تأسست الشبكة عام 2007 وبدأت نشاطها الفعلي عام 2011، ومنذ ولادتها أصبحت من دور النشر المنافسة على مستوى العالم العربي وأكثرها حضوراً، مازلت أذكر أول مرة حصلت فيها على بعض إصدارات الشبكة كانت في معرض الرياض الدولي للكتاب عام 2011، في مساء اليوم الأول من أيام المعرض زرت جناح الشبكة، كان مكتظاً بشكل لافت ما جعلني أنسحب لأعود في وقت آخر فوجدته مكتظاً أكثر من ذي قبل.

هذا المشهد ليس بالضرورة دليلاً على تميز دار النشر، بل غالباً ما تراه في أجنحة الدور الأكثر شعبية والأقل جودة. اللافت أن هذا يحدث في جناح الشبكة العربية للأبحاث ذات الإصدارات الجادة، فنجحت الشبكة في الجمع بين جودة الإصدارات والقدرة الكبيرة على جذب القارئ.

تعرضت الشبكة لحملة تشويه وتضييق عام 2014، وعلى نحو مفاجئ تم إغلاق جناح الشبكة ليلاً في معرض الرياض، وبعد أقل من شهرين حصل نفس الموقف في معرض أبوظبي، حيث أُغلق جناح الشبكة دون أي مبرر منطقي، كان المنع في معرض الرياض مزعجاً للقراء وكذلك للقائمين على الشبكة، وهو محبط لأي ناشر قد يحدث له نفس الموقف، فمعرض الرياض يعد الأقوى والأكثر مبيعاً على مستوى المعارض العربية، بعكس معرض أبوظبي الذي لا يعني شيئاً للكثير من الناشرين، لكن تسجيل الحضور في معظم المعارض العربية كان ومازال من سمات الشبكة.

مشكلتنا في العالم العربي أن من يتخذ إجراءات المنع والتضييق على الكتب والناشرين هم أبعد الناس عن المعرفة وأرداهم ثقافة وعلماً، وجل ما يقرأون -إن قرأوا- لا يتجاوز التقارير الأمنية التي يكتبها من يشاكلهم ثقافة ووعياً، ومثل هذه المواقف تذكرني بالطرفة التي تحكي قصة شاب توقف في نقطة تفتيش فوجدوا معه كتيباً صغير بعنوان "شرح الأربعين النووية" فأخذوه إلى السجن ظناً منهم وجهلاً أن الكتاب يشرح شيئاً له صلة بالقنابل النووية! فكيف إذا أصبح الفضاء المعرفي محاطاً بهذه العقليات التي لا تحمل أدنى معرفة بتاريخ أمتها ولغتها فضلاً عن العلوم الحديثة.

على عكس المتوقع لم يتوقف عمل الشبكة، بل واصلت النشر والتوسع، فافتتحت فروعاً جديدة في بلدان عربية مختلفة من الخليج شرقاً إلى شواطئ المحيط غرباً، قبل أشهر كنت أتجول في منطقة نائية على أطراف مدينة فاس المغربية فوجدت إصدارات الشبكة متوافرة في مكتبة صغيرة وفي غيرها من الأماكن التي نادراً ما يتوفر فيها غير الإصدارات المحلية والشعبية.

نشرت الشبكة لمؤلفين من مختلف التيارات والطوائف، في موضوعات وفنون مختلفة يجمعها تصنيف واحد "قوة الفكرة وجرأة الطرح"، كانت ومازالت الشبكة العربية من الدور الأقرب للشباب العرب المهتم بالمعرفة، فهي تبحث عن أجوبة لتساؤلاتهم في أطروحات علمية جادة.

لم يتوقف عمل الشبكة على إصدارات الكتب فقط فأقامت الندوات والجلسات النقاشية مع المؤلفين لتبني جسور تواصل مباشر وجاد بين المؤلف والقارئ، متجاوزة بذلك عمل دور النشر التقليدية، أضف إلى ذلك نشاط التوزيع، فالشبكة توزع إصدارات منتقاة لعدد من دور النشر العربية ذات الطرح الرصين التي يصعب على القارئ العربي الحصول عليها بسهولة.

ما يميز الشبكة أيضاً مراعاتها للمكان الذي توفر فيه إصداراتها، فهي توفر طبعتين: الأولى بسعر السوق المعتاد للدول ذات الدخل المتوسط والعالي، وأخرى بسعر أدنى للدول ذات الدخل المنخفض، نجحت الشبكة لأنها لم تجعل الربح المادي أول أهدافها وهي كغيرها من دور النشر تعصف بها الأزمات المالية بطبيعة الحال.

في العام الماضي حضرت معرض بيروت للكتاب وهناك التقيت بالصديق العزيز الأستاذ نواف القديمي، مدير عام الشبكة، سألته: هل تربح مادياً من بيع الكتب؟ فقال: بصراحة بيع الكتب في العالم العربي تجارة خاسرة، حالياً أطمح إلى أن تغطي الشبكة مصاريفها فقط. الإجابة صريحة وهي حقيقة يعرفها كل ناشر. ما يميز الشبكة أيضاً فريق العمل النشط والفعال، ومعظمهم شباب ذوو اهتمامات معرفية وخلفيات ثقافية متنوعة، وهذا ما جعل الشبكة أكثر حيوية ونجاحاً في وقت قصير.

مؤخراً قامت الشبكة العربية للأبحاث والنشر بإقامة معرض للكتاب العربي في اسطنبول، في بادرة رائعة جديدة على المجتمعين التركي والعربي، فكان فرصة كبرى لالتقاء المثقفين العرب والمهتمين بالعربية من الأتراك، صاحب المعرض أنشطة وندوات ثقافية لاقت نجاحاً وإقبالاً واسعين، وبعد هذا النجاح تعزم الشبكة على إقامة المعرض بعد أسبوع في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، التي يقيم فيها كثير من العرب والسوريين خاصة.

لقد تجاوزت الشبكة العربية كل الحواجز والعوائق بثقة عالية وروح وثابة فاقتربت من القارئ العربي وارتحلت إليه حيث ارتحل، أكتب هذه الكلمات شكراً وعرفاناً لما تقوم به الشبكة من مجهود رائع، رغم الإمكانات الضعيفة مقارنةً بغيرها من المؤسسات الرسمية المتبلدة، فشكراً للشبكة العربية للأبحاث والنشر وللقائمين عليها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.