المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن محمد الجندي Headshot

هذا قيء

تم النشر: تم التحديث:

هذا قَيء.. أتقيَّأ بقلمي على الورق، أتقيَّأ ما بعقلي كي لا أُجنّ؛ لكنّى سأجنّ حقاً، عاجلاً أم آجلاً؛ لأنَّه عندما يعجزُ العقلُ عن الفَهم، ويتعطلُ المنطق، ويعتصرُ القلبُ ألماً حقيقياً تشعر به في صدرِك مع كلِ دقة، حتى تتمنى أن يكفَّ عن الدق من حِدَّة الألم وقسوتُه، فاعلم أنك أخيراً قد جُنِنت.

هذا قَيء.. فإن كنتَ تشعُر بالاشمئزاز أو تأنفُ فلا تقرأ، فأنا ولأول مرة لا أكترث إن قرأت أم لم تقرأ، فأنا لا أكتب لك، أنا أكتب في محاولة أخيرة ألَّا أجنّ، وأتتبع بقايا عقلي المُنفجر وأجمَع أشلاءه.

أسحقتَ صُرصُوراً من قبل؟ أتذكُرُ الشعور وهو يُسحَق تحت أقدامك؟ أتذكُرُ تلك الحركة الأخيرة بعدما تدهَسُه؟ ثم تَضغط بقدمك مُحَرِكاً إياها يميناً ويساراً، مُنهياً كل أمل وفرصة له في الحياة؟

فعلتُ ذلك كثيراً في حياتي، وأحفظ الشعور تماماً؛ لكنِّى الآن -ولأول مرة- لا أكون مَن يدهس.. أنا الصرصور!

وأنا في تلك المرحلة الأخيرة لا أمل، لا محاولة، فقط استسلام، وعظامي تُسحَق تحت حذاءِ الظلم، وهو يلتفُّ يمنة ويُسرة، مُنهِياً حياتي بلمستِهِ الأخيرة.

الظلم قبيح، لا أفهمُه، ولا أستوعبُه، ولا أدري كيف يعيش أصحابه، لم أحاول أن أفهمه يوماً، فهو غير منطقي أساساً؛ لكني في أبعد شطحاتي لم أتخيل أن يصل لهذا الحد، لم أتخيَّل أن أُمضي ليلاً طويلاً أبكي وارتجف، أن أجلس أياماً وحيداً لا أنطق ببنتِ شفة.

أن أعيش داخل ظلامي، أو يعيش ظلامي داخلي، فلا تستطيع أن تفصل أحدنا عن الآخر، أن أنكسر وأُذَل، وأشعر بالقهر اللعين.. القهر شعور صعب، لا أتمنى لأحد أن يشعره، القهر يجعلك كائناً مثيراً للشفقة، فعندما ترثي لحال نفسك، وما وصلت إليه، تصبح بحق مثيراً للشفقة.

ماذا فعلتُ؟ ماذا جنيتُ لأستحق هذا؟ لِمَ أُدمَر وتُدمَر أسرتي بدون أدنى أو أتفه ذنب؟

يا ربّ، أنا لا أفهم، يا ربّ، أتوسل إليك أن تجعلني أفهم؛ لأني إن لم أفهم فلا آمَن على عقلي أو ما بقِي منه.

ما هذه الإنسانيَّة اللعينة؟! أكرهُها وأمقُتها وأحتقِرُها.. ما هذه الإنسانيَّة التي تفعل بي ما لم يفعله حيوانٌ بحيوان قط؟ ما هذه الإنسانيَّة التي تُغلِق أفواهها وتُغَمّي عيونها أمام هذا الفجور الصارخ؟

بل وترضَى أن تعيش وتسمح لأصحابها أن يضحكوا ملءَ أشداقهم ويمرحوا راقصين على جُثث أمثالي من الصَّراصير، غير عابئين بصُراخهم، فلا يفيقون إلا على هذا الظلم، وهو يدهسُهُم همُ الآخرين ويُمعِن في سحقهم.

أحياناً تتعجب كيف يمضي الزمن، لماذا لم يتوقف وينتظر؟ كيف تركني مُشوهاً هكذا، ومضى غير مُكترِث؟ ألا قيمة لي لهذا الحد؟ تعَبت.. تعَبت.. أريد الخروج.. أريد الخروج من هذا القبر قبل أن أفقد كلَّ ما تبقَّى من أي شيء جيد داخلي، قبل أن أكره كل شيء، وكل شخص، حتَّى أكره نفسي، تعَبتُ من انحطاط آمالي وطموحاتي، تعبتُ من خفضِهم لسقفِ تطلُعاتي يوماً بعد يوم تدريجياً، حتى صار، ودون أن ألاحظ، "تحت قدمي".

لا أريد دقائق زائدة خارج الزنزانة، لا أريد قدر أصبع زائد؛ لأسندَ ظهري على الأرض وأنا نائم، لا أريد أن أفرِد قدميَّ، لا أريد ألَّا أُهان وأُسَب، لا أريد بضع دقائق زائدة مع أهلي، أُريد الخروج، حيَّاً أو ميِّتاً، أريد الخروج، لا أحتمل أكثر من هذا، لا أحتمل.. انطفَأت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.