المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن محمد الجندي Headshot

صادقت الظلام

تم النشر: تم التحديث:

"اكتشفت أن الحياة شبيهة بلعبة "بازل" ضخمة.. قطعها كثيرة ومعقدة، نمضي عمرنا كله في محاولة إيجاد المكان المناسب لكل قطعة، نُجَرِّب ثم نُغَيِّر المكان حتى تستقر كل قطعة في مكانها.

مع الخبرات والتجارب، تبدأ بعض الصور في التشكُّل على هذه اللوحة الضخمة، نفهم أجزاء وأجزاء مع طول المسافة، تتضح صورة في الركن، يتشكل شكلٌ في المنتصف، تكتسب بعض الأجزاء معنى.

ولكن مهما زادت الصور، ومهما اتضحت الأجزاء، كلما ابتعدنا ونظرنا إلى اللوحة من بعيد، وإلى الصورة الكبيرة من أعلى، لا نفقه كيف تتصل هذه الأجزاء ببعضها، ولا نفهم لهذه الصورة معنى.

صرت أخيراً أتردد ما بين الألم والاكتئاب العظيم تارة، وما بين الخواء واللامبالاة تارة أخرى، حتى انقسمت إلى نصفين متماثلين، أحدهما يتفجر بالألم، والآخر خاوٍ أجوف.

إن كان الألم يعني الإنسانية، فهل أصبحت بهذا الشكل نصف إنسان؟

أمسكت بالورقة والقلم مراتٍ كثيرةً خلال الشهور الماضية، ثم وضعتهما، لم أعد أقوى حتى على الكتابة، كل الكلام صار مكرراً ومبتذلاً وبارداً، ولا يعبر للحظة واحدة عن جزء بسيط مما يضطرم بداخلي.

صرت وحيداً تماماً في وسط بحر من البشر، وما يؤلمني في هذا هو راحتي التامة في هذه الوحدة، أصبحت لا آلف البشر، وفقدت كل رغبة في التعرف على المزيد من هذه الكائنات التي تدعى "إنسان".

لم يعودوا يثيرون اهتمامي، كلهم بجميع اختلافاتهم وخلافاتهم وآرائهم، ورؤاهم المحدودة التي تُخَيِّلُ لكل منهم أن جزء اللوحة الذي لا يرى غيره هو الصورة الكاملة.

أهز رأسي ساخطاً ساخراً حانقاً.. الصورة لا يفهمها أحد!

وفي هذه الغربة، صادقت الظلام، اقتربتُ منه حتى لا تكاد تُفَرِّق أحدنا من الآخر، صرت أنتظر كل يوم بفارغ الصبر موعد إطفاء النور في الزنزانة، فأستيقظ بعد أن ينام الجميع، فأجده ينتظرني كعادته: دامساً، معتماً، جميلاً.

أجالسه وأحكي له.. هو لا يتكلَّم ولا يردّ.. لكنه يُنصِتُ ويتفهَّم، هو أيضاً يُحِبُّني كما أحبُّه؛ لأنه يلمَسُ بداخلي جزءاً بات يشبهه.. ظلام يعتبره هو أخاً صغيراً؛ لأنه مثلَه، دامسٌ، معتمٌ، لكنه ما زال يحاولُ أن يتعلم منه كيف يكون جميلاً.

صرت محاطاً بسجونٍ كثيرة، أصبحت داخل سجن، وبداخلي سجن، فلا أدري إن خرجتُ يوماً من السجن الذي أنا بداخله، فهل يخرج السجن الذي بداخلي مني؟

أعزم إن خرجتُ أن أرى طبيباً نفسياً.. لا ليعالجني، أبداً، ولكن لأقنعه بما أرى، وأُخَلِّصَه من أوهامه، فلا يضيع المزيد من وقته في هذه الأكذوبة الزائفة، هو أيضاً كمثله لا يفهم الصورة.

يقول علي طالباب: "الدنيا بحر خرا.. والعالم كيان منكوب".

يذهلني جمال التشبيه الذي يُلَخِّصُ الكوكب شكلاً وإحساساً ورائحة في إيجاز رهيب، سرُّ روعته أنه اكتشف أنك لن تستطيع تجسيد هذا الواقع إلا بتعبيرٍ تُضاهِيهِ ألفاظه في القرف.

أريد الخروج من السجن بشدة، أريد أن أكتئب على راحتي، أريد أن أسمعَ وأشاهدَ وأقرأ ما أشاء، فيصبح ظلامي جميلاً كصديقي هنا.

أريد أن يخرج أبي من السجن بشدة، لا أحتمل الشعور بالذنب بجوار الاكتئاب القبيح.

أبتسم.. رغم كل هذا أبتسم، فكما نصحني أحد أصدقائي الحكماء: "ابتسم.. فالأسوأ لم يأتِ بعد".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.