المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن شيخ محمود الزيلع Headshot

الصومال بين حمى الفيدرالية والديناميات الاجتماعية القبليَّة

تم النشر: تم التحديث:

شهدت الساحة الصومالية تحوُّلات سياسية واجتماعية وديموغرافية جديدة، بعد صراع ومخاض سياسي تجاوز مراحل صعبة وفي ظل ظروف حرجة.

فمنذ إعلان النظام الفدرالي الذي لم يختره ولم يتم الاستفتاء عليه من قبل الشعب يوماً بل يسمع من وسائل الإعلام، وحتى الآن لم يفهم الشعب ماهية الفدرالية ونمطها والدوافع التي أدت إلى تحويل جمهورية الصومال إلى جمهورية فدرالية! في وقت توصف البلاد نموذجاً للدول الفاشلة، ويعاني الشعب من مرارة النزاعات التي اندلعت منذ انهيار الحكومة المركزية في عام 1991م، ولم يتنعم باستقرار سياسي واجتماعي يتمثل في المتطلبات الأساسية لحياة المواطنين.

وفي عام 2004 تم إعلان النظام الفدرالي في مؤتمر إمبغاتي بكينيا، ولم يقدر صانعو القرار في ذلك الوقت على إدراك مفهوم الفدرالية وآثارها السياسية والاجتماعية على هذا الشعب، وفي ذلك اليوم وحتى الآن لم تكن الإرادة السياسية والقرار الأنسب في أيديهم، وما زال السياسي الصومالي في دور المشاهد والضيف في المطبخ السياسي الراهن.

شهدنا بمولد ولايات فدرالية قبل سنوات، وربما نسمع في غضون الساعات القادمة بمولد ولاية جديدة، حيث يتزايد عدد الرؤساء والمجالس الشعبية ولا يحصى عدد النواب، حيث عيَّنت كل ولاية ما يقارب مائة نائب، إضافة إلى الوزراء ونواب الوزراء ووكلاء الوزراء والآلاف من موظّفي الأجهزة الإدراية، ورغم كل ذلك لا تقدر ولاية واحدة على أن تتكفل بموازنة إدارتها وصرف رواتب موظفيها.

ومما يزيد الطين بلة فإن النزعة القبلية التي دمرت الصومال وأحرقت الأخضر واليابس طيلة العقود الماضية، اشتعلت في بعض الولايات الفدرالية، ولم يعتبر السياسيون بدروس الماضي!

تتطلب المقوّمات الأساسية لديناميات الاجتماعية القبلية الصومالية على أن يحصِّل كل فرع من فروع القبيلة الواحدة حصته في العملية السياسية، ولا يمكن إقناع كل بطن من بطون القبيلة التي تسعي للحصول على نوابها ووزرائها وسفرائها.

وترى أن الأمور تسعى أن تمتلك كل أسرة عزبة سياسية في الساحة الصومالية، ومن المؤسف والاشمئزاز أن تتمثّل حدود الولايات على حدود العشيرة ومراعي أنعامها، وعلى هذا الأساس تندلع الحروب والمشاجرات بين أبناء بلدة واحدة عاشوا سنين وقروناً كإخوة وأخوال جمعتهم الأعراف والمصاهرة.

وآخر دليل نستنبطه من هذه الآفة هو ما يجري في جالكعيو عاصمة محافظة مدج المقسمة إلى شطرين، وتحت نظام ولايتين متصارعتين، والضحيّة لهذا العمل المعتوه هو هذا الشعب المغلوب على أمره!

في ظل هذه الفوضى السياسية الجنونية، والضحك الدوليّ على التطفل السياسي الناتج عن الأزمة الصومالية، غابت السيادة والهيبة عن الحكومة المركزية، وضاعت مكانة رئيس الجمهورية الشخصية والقانونية.. ودستور الجمهورية ليس له أية فعالية واعتبارية، وأصبح منسوخاً نسخته الدساتير الإقليمية القبلية..

حوّلت حمى الفدرالية جميع العلاقات الاجتماعية القبلية إلى علاقات ذات النمط السياسي المتصارع.. وهمشت التنشئة القومية والوطنية إلى انتماءات هشّة قائمة على بقعة إقليمية ذات انتماءات عشائرية.. ووضعت حدوداً جغرافية وهمية قسمت الأمة إلى كونتنات صغيرة.

غيّرت المجري الاجتماعي القائم على العرف القبلي المعمول به منذ عقود وقرون مارسه الصوماليون لحل مشاكلهم، وكل قضية كانت لها قواعد وضوابط محكمة تتعامل بها القبائل فيما دار بينها في الحرب والسلم.. وقيدت التدافع الاجتماعي المستقل الذي اتسم به هذا الشعب منذ سنين، حيث كانت حياته قائمة على التنقل والترحال والبحث عن الكلأ والماء للنوق والماشية.. وكان العرف التقليدي حصانة تحمي أفراد الأسرة في حالته المعتدي والمعتدى عليه..

تمر الحالة السياسية في البلاد بلحظات المخاض العسير حيث تجري عملية انتخابات نواب الشعب وأعضاء المجلس الأعلى أو مجلس الشيوخ، وكلا المجلسين يسعي لاختبار صعب لانتخاب رئيس الجمهورية، والولايات الإقليمية لها باع وأيادٍ خفية في تعيين النواب.. لا نعرف مدى مصداقية تلك الإجراءات ومدى مساهمة الجهود في تكوين الشخصية الصومالية الجريحة وريادة الدور الصومالي في القارة السمراء.

تغمم الشكوك لنزاهة الانتخابات البرلمانية والرئاسية والسمسرة الدولية والإقليمية ليست بعيدة عن العملية.. ولا نعرف متى يتعرف المواطن إلى الدور السيادي والوطني للدولة الصومالية؟!

الأمور على شكل مائدة مستديرة لعشرة رؤساء متساويين في السيادة والتمثيل وتضاع هيبة الدولة في نادي رؤساء العشائر المتوسمة بأوسمة فخامة رئيس ولاية آل فلان.. ونرى أن بعضاً من هؤلاء بعثوا البعثات الدبلوماسية إلى الدول الجوار وربما نسمع قريباً لوزراء الخارجية ومندوبي للحكومات الفدرالية لدى الأمم المتحدة وتلك نهاية الخيط الرفيع ونهاية الحلم الصومالي للوحدة.

الصوماليات الخمس وتكوين قوي صومالية في القرن الأفريقي.. ولكن نتمنى أن تصادفنا لعبة المشاغبين الجدد في الساحة الصومالية، ونرجو أن يحفظ الله الصومال بأيدي شرفائه الوطنيين، ونأمل في انتخاب شخصية صومالية ذات بعد قومي ووطني يتمثل بانتمائه الصومالي العريق المتنعم بإسلاميته الحضارية، ومدرك بركائزه العربية والأفريقية والدولية.

وتحية للصومال الجريح والشعب المتحدي للانكسار والكابوس والتيه، وإن شاء الله نأمل في فجر جديد مع صباح ميمون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.