المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن سعيدي Headshot

اندهاشة الحياة

تم النشر: تم التحديث:

ذات يوم قبل سنوات، وحين كنت أسكن في حي الحمراء بجدة، كنتُ أمارس رياضتي على شاطئ العروس، وعلى مرأى من النافورة التي تُعتبر أطول نافورة في العالم؛ حيث كانت عادة شبه يومية.

ذات يوم كنت قد بدأت التمرين، وفي نصف الطريق أو الممشى وجدتّ رجلاً كبيراً في السنّ يجلس في هدوء تامّ، وينظُر إلى كُلّ شيء باندهاشة، وخلفه مجموعة نساء (أهله) وصبية يلعبون، وكأنهم تركوه هنا ليندهش من كل شيء.

نظر إلي بدهشة، تلطّفاً معه ابتسمت، فلم يردّ عليَّ إلا بدهشة أخرى، ثم مضيت في طريقي مكملاً رياضتي، ولكني ذهبتُ بعيداً بخيالي، ما الذي أوصل هذا الرجل الكبير في السن إلى هذه الحالة؟.. حالة الدهشة التامّة، ووجدتّ كثيراً من الفتوحات والمعاني وأنا بين المشي والجري، حتّى إنني أكملتُ العيش مع هذه المعاني، وأنا تحت الدّش وأثناء الاستحمام.

من المعاني التي خرجت بها أن الحياة عبارة عن اندهاشات، متى ما فقدنا دهشة الحياة ذهبت بريقها ولمعانها، وإلا فلماذا حين يولد الطفل يبكي؟ ولماذا حين يموت الإنسان يموت في دهشة؟ وكيف تكون حالتنا عند الضحك والبكاء؟ وكيف نفرح؟ وكيف نحزن؟ وكيف ننام؟ وكيف نستيقظ؟ وماذا نفعل عندنا نتعلم مهارة جديدة؟ وماذا نفعل عند المعرفة؟ وماذا نفعل عند الجهل؟

لو تأملنا في كل هذه الأجزاء من الحياة، لوجدنا الدهشة حاضرة.
الدهشة في (لسان العرب): ذَهاب العقل من الوله أو الخوف.
ومعروف عند الناس أن الدهشة هي التعجّب من تجلّي شيء خارق أو جديد، وعند الفلاسفة ممارسة الدهشة تتجاوز الحيرة والتعجب إلى عقلانية حركة داخلية مصاحبة لتوتر ومشاعر واهتمام تدفع الإنسان إلى الحيرة والتفكّر، والعرب يقولون: إذا عُرف السبب بطل العجب.
هذه دهشة الناس البسطاء، دهشة متعلقة بمظاهر وخوارق.

الفلاسفة والروحانيون يندهشون من كلّ شيء، باحثين عن معنى وتأمل وسؤال.
دهشة الفلاسفة: اعتراف بالجهل - تجاوز لكل المعلومات المخزّنة بالعقل.
دهشة الفلاسفة: مناشدة مشاعر جديدة - معرفة - تلامس نور ووعي.
أرسطو يقول: "إن ما دفع الناس في الأصل وما يدفعهم اليوم إلى البحوث الفلسفية الأولى هي الدهشة".

أذكر هنا معلومة قرأتها في كتاب "احتضان المجهول"،
تطرقت المؤلفة الدكتورة سوزان جوفريز إلى فلسفة اسمها "فلسفة الجهل"، وكيف أن بعض العباقرة بدأوا يهتمون بهذه الفلسفة؛ لأن العالم شبع من مدّعي العلم، والآن وقت من يدّعون الجهل رغم علمهم، وذلك محاولة للتحرّر من المعلومات والعقل؛ لكي ينفتحوا نحو النور والمعرفة.

الدهشة هي أول طريق المعرفة، الدّهشة فيها طاقات كبيرة، فأغلب الناس لا يعرفون الدهشة بالحياة لهذا يعانون ويعيشون حياة مملة مكرّرة.

المندهشون مسرورون، كل لحظة يعيشون فيها مشاعر جديدة، نسخاً جديدة، احتمالاً جديداً.

للدهشة علامات: رفع الحواجب، وفتح الفم، وحالة من الهدوء الذّهني، تبدو وكأنها حالة هدوء لكن في الحقيقة هي توتر ذهني.

من المواقف التي عشت فيها الاندهاشة في الأيام السابقة:

- أول مرة نزلت فيها الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، منذ أن ركبت الطائرة وأنا في حالة ذهول،
وحين وطئت بقدمي أرض الرياض، هنا بدأت رحلة الاندهاشة من كل شيء؛ مشاعر جديدة، أرض جديدة، أناس جدد، الأجواء تبدّلت، وكأنّ كل شيء في الرياض يقول لي: اندهش يا عبد الرحمن!

- كنتُ برفقة صديق في مقهى، وكانت الأجواء باردة جداً، وضعوا جهاز تدفئة خارج المقهى، وهذا الجهاز بهذا الشكل لأول مرة يمرّ عليَّ، خاصة وأنا ابن الحجاز؛ حيث الأجواء الدافئة الحارة هناك، ولا نعرف الشتاء إلا أياماً معدودات، فظللت أسأل في نفسي: ما هذا يا ترى؟ ما
هذا الشيء الطويل الواقف؟ حتى أتى العامل بجهاز آخر، هنا خرجت من نفسي، وقلت لصاحبي: ما هذا الجهاز وكأنه (لمبَّة)؟ ضحك وقال باللغة العامية:

"دفّاية"، ثم قال لي وهو رجل مثقف ومطّلع ويعزف الكمان: "ع طول دهشة"؛ لأنه رأى وجهي أثناء السؤال.
أيها الرفاق.. هُو لا يعلم أن ذهابي للرياض كانت لصناعة الدهشة.
وفي الختام.. اندهش، فكّلما اندهشت رأيت النور من بعيد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.