المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن كمال Headshot

#وجدتُ_حلاً| كنتاكي الفقراء

تم النشر: تم التحديث:

اجتمعنا سوياً على صينية العشاء، كنت عائدًا لتوي من العمل، وأبي كذلك، وإخوتي ما بين مشاهدٍ للتلفاز أو مراجعٍ لدروسه، أو متظاهرٍ بذلك.. وأمي كالعادة في مطبخها.
أنا أعمل في مكانين مختلفين، صباحاً في الثامنة، أبدأ عملي كـ"نادل" بأحد فروع المطعم المعروف "كنتاكي"، وفي الرابعة أنصرف مسرعا إلى الموقع الإلكتروني الذي يربطني بدراستي..

لم أفكر يومًا وأنا أدرس الإعلام في الجامعة، أنني سألاقي الأمرين في عملين متناقضين، صباحًا في فرع مطعم أميركي شهير، ومساءً في موقع إلكتروني معني بمهاجمة الأميركان وتآمرهم على بلدي.
ظننت وأنا في الجامعة أن الغد قد يكون صعبًا، ولم أعتقد في أكثر أحلامي تشاؤمًا أنه سيكون ضبابيًا بلا ملامح بهذا الشكل، لكن بعد الاستفاقة من الصدمة، حاولت الجمع بين ما كنت أحلم به (أن أكون صحفيًا) وما تتطلبه مني ظروف الحياة.. أن أُدرُّ دخلًا.

أبي الذي قضى أكثر من نصف عمره في خدمة بلده وحكومتها، هاهو في أواخر عمره يخدم جارتنا وسيارتها، ويعيش هو الآخر في تناقض غريب، في الصباح معلمًا وفي المساء سائقًا.
أمي لا تبارح منزلنا، تثابر على خدمتنا وتسهر على راحتنا، مشغولة بمقتضيات المنزل، مسؤولة عن متطلبات ساكنيه، مُوزّعة بين الأب الكادح، والابن الطامح، وثلاثة إخوة لم يطمحوا بعد، لكنهم يكدحون في التعليم بمراحله المختلفة، يحاولون الحصول على مراكز متقدمة بين أقرانهم، في بلد احتلت المركز قبل الأخير عالميًا في مستوى التعليم.
ما بين طالبة في الثانوية العامة، وطالبين في المرحلة الإعدادية، تقضي الأم يومها، تارة تطالب البنت بالكف عن التظاهر بالمذاكرة، وأخرى تعنف الابن للقيام من أمام التلفاز، وثالثة تدعو صغيرها وأحبنا إلى قلبها، أن يشتري لها غرضًا ما.

نحن الفقراء الكادحين، نحب ونشعر أكثر من الأغنياء، الحب بالنسبة لنا غطاء يقينا برد الشتاء، ونسمة تمدنا في الصيف بالهواء، وسحر يُجمّل في أفواهنا مر الغذاء.
الحب عندنا نابع من مآسينا، ولا أفضل من حب مولود من رحم المعاناة، الحب عندنا لا يقتصر على حب العاشقين، أو غرام المُتيمين، ولكنه أعم وأشمل من حصره بين طرفين، إنه عندنا وفي بيتنا يبدأ في دائرة مغلقة، ويتسرب إلى أخرى أكبر.

يبدأ الحب في دائرة الأسرة، كلنا نحب بعضنا مهما تشاجرنا، ثم يفيض الحب إلى علاقاتنا مع جيراننا، الفقراء بدروهم، المحبون بطبعهم، يشعرون بما نشعر ويعانون ما نعاني ويفرحون بما نفرح.. وهكذا دواليك حتي يغمر الحب شارعنا.

قد يظن البعض أننا نهرب من واقعنا المزري إلى عبارات فضفاضة لا تغني ولا تسمن من جوع، لكن هؤلاء إما أنهم لا يعرفون معنى الحب، أو أنهم لم يعرفوا الطريق إليه.
الحب عندنا يقوي إيماننا بالله، على عكس المتوقع ممن في مثل ظروفنا، إنه يعمق شعور القناعة في نفوسنا، دون أن يقتل بذور الطموح في أرواحنا، يعودنا على حب ظروفنا دون أن يمنعنا محاولة تغييرها.
الحب يحول مستصغر الأمور إلى معظم السرور، ومكننا نحن السكان الأصليين لهذا البلد من التكيف على ما حرمتنا منه ظروفنا من شتى ألوان المتعة الدخيلة على مجتمعنا.
منحنا الحب بدائل لكل ظاهرة غريبة دخيلة، وألهمنا استخدام أقل الوسائل المتاحة في توفير أقصى درجات الرفاهية والراحة.

من أبسط الأمثلة وأوضح الأدلة على نجاح ونجاعة الحب في تحويل سفاسف الفقراء إلى مظاهر الأغنياء، ما قالته وفعلته أمي اليوم، حينما بادرت بإحضار صينية العشاء.
أقبلت أمنا بِطَلّتها المسفرة، ضاحكة مستشبرة، لسعيها راضية، في جنة عالية، وبادرت جماعتنا قائلة: "عشاء اليوم مفاجأة.. وخاصة لك" وأشارت بوجهها ناحيتي.
ابتسمت وانتظرت، وتابعت هي: "أعددت لكم اليوم وجبة كنتاكي شهية، ستأكلون أصابعكم ليس فقط من فرط طعامتها، بل أيضا لأنكم ستجهزون على كل ما لدينا من أرغفة الخبز".
انفجرنا ضاحكين من خفة ظل أمنا، ونظرنا إليها شاكرين جهدها حامدين فضلها، مدركين لما قصدته من جملتها.

كان العشاء "قرنبيط" أو كما تصفه أمي دوماً "كنتاكي الفقراء".
وصدقت مقولتها، وتحققت نبوءتها، أكلنا كل ما لدينا من خبز، حتى ما كان مخزنًا في ثلاجتنا، واضطررنا إلى لعق أصابعنا وصحوننا من فرط جمال ولذة "قرنبيط أمي.. كنتاكي الفقراء".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.