المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن فاروق Headshot

"قيامة أرطغرل".. بين ميزان التاريخ وأوهام المسلسل "1"

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-20-1484952191-2561378-2_231.jpg

لا يتكاسل كثير من الناس عن قراءة أخبار وسير العظماء من أهل الفتوحات والمعارك، وصناديد القتال، وجهابذة الشعر، وفطاحل السياسة والمكر والدهاء، ولا يستشعر أغلبهم في قراءة غير هذه السير بالعظمة والفخر والقوة والإلهام والرشد.

إلا أنه بعد تحول الأحداث والتاريخ من الكتب إلى المشاهد السينمائية، وتغير واقع القراءة عند كثير من العامة لواقع المشاهدة، كان بعض الخلل والقصور والزيف والأوهام الداخلة على هذا التاريخ.

ولأن قارئ التاريخ يلفظ هذه الأوهام، ولا يقبلها بشكل من الأشكال، كان لا بد من وقفة مع المسلسل التركي الرائع "قيامة أرطغرل"؛ ليكون بين ميزان التاريخ وحكواتية الأتراك.

ذاع صيت مسلسل قيامة أرطغرل بشكل كبير، وانتشر اسمه في أغلب المحافل والدول الإسلامية وغيرها، وأصبح تتر البداية هي الأغنية الأولى لكسر انقلاب الخامس عشر من يوليو/تموز في تركيا، وكأن أحداث المسلسل تُعيد للشارع التركي، وخصوصاً في الانقلاب الفاشل، كيف أن للأمة عدوَّين؛ العدو الخارجي، والعدو الداخلي الذي يفتك بالدولة، وهو أخطر وأشد وأنكى وأضر.

كما أن هذا المسلسل وجه فريد ومشرق للدراما التركية التي ما كانت سابقاً إلا لتشويه الخلافة بشكل عام، والعثمانية منها بشكل خاص، كحريم السلطان مثلاً، وغيرها من الدراما التي شوّهت التاريخ الإسلامي وأظهرته بصورة غير لائقة، ناهيك عن الابتذال والانحلال الأخلاقي.

ولهذا كان يجب علينا أن ندرك ظروف مسلسل قيامة أرطغرل، وأنّه جاء لتصحيح المفاهيم، وتحسين صورة الإسلام، وخصوصاً الخلافة الإسلامية.

وما هذه الملاحظات التي سنذكرها من باب صد الناس عن مشاهدته أو للتقليل من شأنه، لكنه حمايةً له وتصحيحاً لبعض الأخطاء التي سيقع فيها كثير ممن لم يقرأ تاريخ الدولة العثمانية بشكل خاص، أو حتى يعرف شيئاً عن أرطغرل وأحداث الزمان في ذلك الوقت، فلن يعرف المتابع للمسلسل فقط صحّة الأحداث من عدمها دون الرجوع للتاريخ من مصادره.

بث المسلسل الذي يتابعه أكثر من سبعين مليون مشاهد حول العالم، معاني العزّة والفخر والكرامة والأمل، والشعور بالنصر والفتح والتمكين في زمن تعيش أمتنا فيه واقعاً بئيساً وكئيباً، كما أن أغلب أحداث المسلسل فتوحات وبطولات وانتصارات حُرمت منها الأمة اليوم ولا تراها، فأظهر المسلسل بعضاً من هذا التاريخ المشرق والمشرّف، وغرس في أذهان المتابعين أن التمكين في الأرض واستلهام روح النصر لا يكون إلا بتوفيق من الله، وبعمل من المخلصين الذين يحملون همَّ الأمّة، مع إيمان بالقضية، وبذل التضحيات، وليس بالكثرة والعدة فقط، وهذا كلّه واضح جليّ في المسلسل.

كما أن أعظم قيمة في هذا المسلسل ربطه بين الانتصارات والفتوحات بالله -عز وجل- بالتوكل على الله، والثقة بوعود الله، والالتجاء إليه سبحانه، وظهر هذا في جميع الأحداث وكل المراحل المختلفة بالمسلسل، ووجب شكر القائمين على هذا المسلسل لبثِّ هذه الروح في المشاهدين.

ووضّح المسلسل أن إقامة الدولة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، والأرض والحدود، وإنما لا بد من الخطاب الديني الملهم، وهذا اتضح للمشاهد من ارتباط ابن عربي بأرطغرل، وكيف كان يثبّته بالقرآن وقصص الأنبياء والسيرة النبوية وأخبار الفاتحين.

وأكد المسلسل أن العاقبة دائماً للمتقين، فقد كانت العاقبة في جميع الأحداث والمراحل مع أهل الحق ضد المغول والصليبيين والخونة، وأن عاقبة الخونة سيئة وقبيحة، فلا يحصلون على مقصودهم وأهدافهم، وتُقطع أعناقهم.

كما قام المسلسل على فكرة عظيمة هي أن قيام الدولة والخلافة، وتثبيت أركانها، يحتاج إلى جهد ومشقة وتضحيات كبيرة.. وغيرها من الرسائل الرائعة والقيّمة التي أوصلها المسلسل إلى المشاهد.

2017-01-20-1484951983-4774187-thumb_b4ca463poster.png

إلا أن الملاحظات على هذا المسلسل، والأخطاء التي وقع فيها القائمون على العمل أيضاً كثيرة، وتحتاج لتوضيح أهم نقاطها، خوفاً من التباس الأمر على عامة المشاهدين، وإحقاقاً للحق ودرءاً وصداً لغيبة بعض العلماء والسلاطين التي تجاهلهم المسلسل عن قصد أو بدون قصد.

وما ذكر هذه الملاحظات -كما أسلفنا- من باب صد الناس عن المتابعة، لكن لتوضيح ما للمسلسل وما عليه.

الملاحظة الأولى

لم يذكر المسلسل أبداً تواريخ الوقائع والأحداث التي كانت، وإنما مر عليها مرور الكرام دون ذكر السنة التي وقعت فيها الأحداث أو الإشارة إليها، فلا يعرف المتابع متى نزحت القبيلة، أو متى حدثت أحداث حلب وأحداث القلعة وأحداث المغول، فلم يؤرخ لأي حدث، مع العلم أنه مسلسل تاريخي في ظاهره، مما يدل بعد ذلك على أن المسلسل هو مسلسل سينمائي وحكواتي في المقام الأول، وأحداثه التاريخية غير صحيحة، وغير مذكورة في المصادر العربية أو المراجع التركية والعثمانية.

وليست المشكلة في السينما والمشاهد والحركات وغيرها، وإنما المشكلة في تزوير التاريخ وتحريفه، وقلب الحقائق.

الملاحظة الثانية

أغفل المسلسل تماماً حال الدول الإسلامية في هذه الحقبة، ودورها الكبير في صد العدوان الصليبي، وأخطار المنافقين والمتربصين؛ بل وصوّر أن المنتصر في الحملة الصليبية الخامسة والسادسة هي القبيلة الصغيرة النازحة، فصوّرها أنها دحرت الصليبيين، وقاتلت المغول أيضاً.

وهذا خطأ تاريخي عظيم وزيف وعبث، وإغفال لجانب كبير من الحقائق، وتعصب للعرق التركي دون غيره، وكأن رسالتهم أن الذين كانوا درعاً للعالم الإسلامي وقتها هم الأتراك فقط، مع أن الذين تصدوا للحملات الصليبية ودحرها في هذه الحقبة هي الدولة الأيوبية التي كان تحت سلطانها بلاد الشام والجزيرة وأخلاط ومصر والحجاز واليمن، وكانت قوة إسلامية ضاربة قوية.

الملاحظة الثالثة

لم يشِر المسلسل أبداً للخلافة العباسية والخلفاء الثلاثة الذين عاصروا هذه الحقبة، لا من قريب ولا من بعيد، علماً أن السلاجقة يعترفون بالخلافة العباسية ويحترمونها.

كما أنّه تجاهل الدولة الأيوبية، ولم يظهرها إلا في مشهدين؛ أحدهما مزرٍ، والآخر مسفّ.

الملاحظة الرابعة

في هذه الحقبة أيضاً سقطت الدولة الخوارزمية، لكن كان الجهاد قائماً فيهم بقيادة جلال الدين والخوارزميين في منطقة هذه القبيلة النازحة حتى قرب انتهاء حقبة المسلسل، وقدموا تضحيات عظيمة لم يشِر لها المسلسل البتة، فلماذا تم تغافل هذه الحقائق؟!

الملاحظة الخامسة

تجاهل المسلسل بالكامل الدويلات الصليبية التي كانت في غرب تركيا، وبعض الإمارات الخاصة بهم في عكّا وغيرها، وتجاهل العرب بشكل مهين، فلم يذكرهم إطلاقاً هذا المسلسل.

الملاحظة السادسة ونختم بها

يرتكز المسلسل على ثلاثة أحداث مهمة؛ الحدث الأول فرسان المعبد، والحدث الثاني أحداث حلب، والحدث الثالث قتال المغول، وثلاثتها غير صحيحة ومن نسج خيال المخرج.

وسنبيّن في مقال لاحق -بإذن الله- تفنيداً لأخطاء المخرج في هذه الأحداث الثلاثة المهمة، وبقية الملاحظات على هذا المسلسل التركي الرائع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.