المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن فاروق Headshot

يا أيتها الحركات الإسلامية إن الرب ليس له أقارب

تم النشر: تم التحديث:

تجمّعنا على خير.. ورب العز يرعـانا
ونور الفجر أبهجنا.. يُفرّحنا ويغشانا

كانت هذه أبيات لأنشودة أول ما سمعتها في مراكز التحفيظ والدعوة والإرشاد، التي كانت تكثر بقوة في التيار السلفي، أو السلفي الجهادي، وكانت متواجدة أيضاً في مدرسة الإخوان المسلمين ولكن بمظهر أقل من غيرها. وكُنت كغيري من الصغار نردد الأنشودة ونسأل المشرف أو المسؤول أو الشيخ، ما هو الخير الذي تجمّعنا عليه؟ ولماذا رب العز يرعانا؟ وكيف يغشانا نور الفجر؟ وهل فعلاً يُفرّحنا إذا غشينا؟

وكانت إجاباتهم أقرب للتفاهة من غيرها، فيقولون لنا تجمّعنا على القرآن وبس، تجمّعنا على أن نقيم الصلاة واسكت كفاية أسئلة، تجمّعنا على أن يُذكّر بعضنا بعضاً وده لازم نعمله.

ونحن بدورنا نبتسم ونهز برأسنا، فنحن فعلاً نقرأ القرآن، ونذكر الله ونقيم الصلاة. ولم تكن الإجابات تافهة في أصلها، ولكن تافهة في مدلولاتها وتطبيقها عملياً بيننا وفي المجتمع. وبسبب هذا ما لبثنا أن رأينا شباباً لا يجتمعون معنا ويُصلّون، ولا يجلسون معنا وللقرآن يقرأون، ولا يفعلون ما نفعل ويُذكّر بعضهم بعضاً، وهكذا. فتبادرت لأذهاننا أسئلة أخرى، هل يغشاهم أيضاً نور الفجر؟ هل يرعاهم الله؟ هل يفرحون بالخير؟

ثم تطورت الأسئلة باندماجنا في المجتمع وبخروجنا عن المألوف السلفي في الفكر والمنهج، ولم نجد لأسئلتنا جواباً شافياً في وقتها من شخص يدرك ما نحن فيه، إلا أننا كنّا نسمع كلاماً بأنّ إيماننا أصبح ضعيفاً، وتغيّرنا للأسوأ وما إلى ذلك؛ لأننا تطرقنا لأسئلة بديهية تستحوذ على تفكير من في أعمارنا.

تبادر إلى ذهني بعض من هذه الذكريات وقت مصارعة اللاعب المصري المسلم (الملتحي) إسلام الشهابي، مع الإسرائيلي "الكافر" أور ساسون في لعبة الجودو في أولمبياد ريو دي جانيرو هذا العام، وكيف أنّ ساسون غلب الشهابي بالضربة القاضية وحاز الدرجة الكاملة في هذا النزال.
بل مما زاد في استرجاع الذكريات بعض من جديّة الشباب أو مزاحهم في أنّ الملتحي المصري سوف يهزم الصهيوني شرّ هزيمة، وسوف ينتصر عليه تحقيقاً لا تعليقاً.

لكنّ حقيقة الأمر لم تُصبني بالدهشة، فإنّ الشعوب العربية خاصّة قد استساغت فكرة أنّ الرب سينصرنا؛ لأنه يجب أن ينصرنا، حتى لو كنّا أقل في الإمكانات والعدّة والتدريب وغيرها، وهذا ما دفعنا في مصر إلى تصديق أننا سنهزم العسكر وسلاحهم بالهتاف والشماريخ، وأن شعب سوريا سوف ينتصر على بشّار بالأهازيج والطبل والأناشيد. وتساءلت لماذا لم يغرس المدرس أو المربي أو الشيخ في قلوبنا أن الله لا يُحابي أحداً، وأنه ليس له أقرباء؟
فلم أجد جواباً، إلا أن رب العز يرعانا كما يُنشَد وفقط.

الناظر لحال التيارات الإسلامية ومدارسها وكيف أنشأت من يتبعها من الشباب في الشرق أو الغرب وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين يُدرك جيداً أنهم استلذّوا فكرة أن الله ناصرنا وخاذلهم، وأن الله حامينا وقاتلهم، وأن الله رافعنا وخافضهم، ولو كانوا هم أصحاب العمل وكنّا نحن أصحاب الكسل، وأن قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار.

وهكذا خاضوا التجربة في الثورة وإدارة شؤون الدولة وما بعدها، وما زالوا هكذا ليومنا هذا لا يُغيّر في أفكارهم شيء، ولا يوجد ما يجعلهم يُعيدون النظر في حلّهم وترحالهم.

وهذه البديهيات لم تُزرع في نفوسنا ونفوس غيرنا وقتذاك من سبيل الفراغ أو على سبيل المزاح، لكنّها زُرعت لجعل الشباب صاحب المنهج الملتزم بفكر ورأي ومدرسة بعينها، طوعاً بين أيدي من يقودون العمل مهما كان شخصه. ومهما كانت قيادته أو توجهه أو إدارته للواقع وحالته، ومهما بلغ به من التشرذم أو الفشل، أو من الألم وغيره، فالله ناصرنا، لماذا؟ لا ندري، لكنه سينصرنا!!

التيارات الإسلامية بحاجه لبعث جديد، لخلق طرق للوصول للهدف الذي يطمحون إليه، ولعمل حالة ثورية في الكيانات ذاتها لإعادة إحيائها؛ عن طريق وضع إجابات مقنعة لمن يلتحق بها، وإجادة وضع الخطط والأهداف عن طريق العمل بالأسباب المتوافرة، والعمل بالأسباب والأخذ بها لإعادة الأمل في شباب التيارات الإسلامية الذين ما عادوا يثقون في المدرسة أو التيار الذين كانوا في يوم يمثلونه.
كان من الواجب أن تُعقد المدارس لترسيخ فكرة أنّ الله ليس له أقارب، وأن المجتهد ولو كان ملحداً سينتصر، وأن الكسول ولو كان شيخاً سينهزم، كما في ثورة فرنسا وثورة مصر.
فبين من نادى بالناس في الثورة الفرنسية بالعلمانية، وقتل الرهبان والقساوسة، ولكنهم اجتهدوا وكانوا أصحاب هدف، وبين من نادى بمصر إسلامية وكانوا أصحاب التزام ولكنهم سقطوا وخسروا فقد أرادوا النصر من العدم وبلا أسباب يسلكونها. الرب ليس له أقارب، ولا يُحابي أحداً ولو كان صاحب خلق ودين ولا يعمل، ولو كان صاحب خلق ودين ويبرر، ولو كان صاحب خلق ودين ويتكاسل.

الرب لا يُرجع الحريّة والشرعية والوطن بالنوم والترّهات والجري خلف الأحلام الوردية ووصايا الأشخاص دون السير على طريق واضح ومنهج مستنير.

لم تكن العقبة في الثورات وما كان الشباب إلا مقداماً متحمساً، ولكنّها كانت في الشيوخ، في القادة الذين يجب عليهم أن يتنحوا عن المشهد تماماً، فمن أخطأ منهم فحسابه على الله ثم على الشعب إذا امتلك زمام الأمر، ومن أحسن منهم فله منّا الشكر والإحسان.
لا ندخل في نواياهم، ولا نطالبهم بما لا يُطيقون ولكنّا أردنا أن نفهم ونعي في وقت من الأوقات مفهوم الثورة والانتصار لها، والتمسّك بأدواتها لتحقيق أهدافها.

ونفهم ونعي معنى أن الله لا يُحابي أحداً على أحد، وأنّه ليس له أقارب، وأنه ينصر من استحق النصر عندما يعمل بأسبابه، ويهزم من استحق الهزيمة عندما يترك الأسباب والعمل بها.

الشعارات الرنّانة والكلمات الحماسية، والإقدام في سبيل قضية ليسوا كفيلين بجلب النصر وتحقيق العدل والأمن، إنما هم من أسبابه وأدواته، ولكن أن نبني كلّ ما نريد ونختار بالشعارات والتصاميم واللقاءات، ثم نركن إلى فراش النوم ولحاف الكسل، فلن نرى نصراً أو انتصاراً. مؤتمرات الثورة وورش العمل والتحالفات التي تتهاوى لنبني جديداً بأساس قديم، وبنفس الوجوه التي احترقت في مؤتمرات وجلسات سابقة ما هو إلا لتضييع الوقت والجهد والمال، ومآلها وأنا أجزم إلى الفشل.

التحالفات التي يكون اختيار قياداتها على أساس الأخوة والأحبة والأكثر صلاة والأقل حديثاً مآلها إلى الفشل.

الاجتماعات التي تبني أساسها على عودة مرسي، وإسقاط الأسد وتنصيب عبدالهادي والدفاع عن السرّاج مآلها للفشل.

الشعوب لن تنتصر بقاداتها الحاليين الذين فشلوا في أغلب المنحنيات، وعلموا أنهم لم يستطيعوا السير أو الاستكمال، ولن ترى النصر يأتيها وهي نائمة أو متكاسلة، ولن يُحابي الرب شعب مصر، لأنه صاحب حضارة، أو شعب سوريا، لأنه ضد بشّار وفقط، فمن أراد النصر فليُنحّ قياداته التي فشلت في كل ما سبق جانباً، وليوقن أن العمل، وخاصّة مع الشباب وبالشباب، أول سبب للنصر، قال رسول البشرية مُحمّد صلى الله عليه وسلم: "ونُصرتُ بالشباب".