المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن بسام غنم Headshot

الردّة عن الحُلْم

تم النشر: تم التحديث:

كلّ الذين التفتوا غابوا في الزّحام. أتساءل عن هذا الالتفات، أتساءل هل من الممكن أن أنغمس في الواجبات اليوميّة وأغرق في تأدية أعمالٍ مطلوبةٍ منّي إلى اللانهاية؟! أعلم تماماً أنّي عاهدتُ نفسي عهداً غليظاً: أن لا تسرقني واجبات الحياة من نفسي. وأتذكّر تماماً كيف كان جواب صديقٍ لي: لن تستطيع ذلك، أبداً، وخاصّةً أنّك طبيب.

أراقبُ بعض أصدقائي من بعيد، تغيّر كثيراً عن آخر مرّةٍ رأيتُه فيها، وكان ذلك قبل أن يستلم وظيفته الأولى وقبل تخرّجه من الجامعة.. سألتُهُ: لقد تغيّرت يا إبراهيم.. ما بك يعلوك الهمّ وتركتَ كلماتِ الأملِ والحبِّ التي كنتَ تردّدها.. أين نشيدك الذي كنتَ في كل صباح تزقزقه على مسامعنا في أنّك تريد جعل العالم مكاناً أفضل للعيش، في أنّك تريد للإنسان أن يقترب من نفسه ويعمُرَ ذاتَه ويصاحب روحه؟! أجابني بجملة واحدة: الحياة لن تمهلك لتعيش في عالم جلال الدين الرومي الوردي يا صديقي.

لن أصدّق ذلك، لن أصدّق أنّني سأُغلب في حرب الاستنزاف تلك، لكن.. هؤلاء الأصدقاء كانوا مثلي يوماً ما! لقد كان بعضهم يعيش حُلُمه أكثر منّي ويعمل له أكثر منّي. لقد تلمّس وجهَ حُلمِه الشهيّ بيديه، لقد ذاق طعم الأمل.. ومع كلّ ذلك، لقد استطاع أن يُلقي بذلك الحلم الرّضيع البريء على باب من يلتقطه.. لقد استطاع أن يلتفت عن حلمه ويُديرَ ظهرَه له ويَمضي في تأديةِ ما عليه من واجباتٍ للعمل والأسرة التي يعيلها. لقد قال لي يوماً: ستتخلّى عن حُلمك في تلك اللّحظةِ التي ستطلبُ منكَ ابنتَك حقيبةً جديدةً للمدرسة ولا تملك مالاً لجلبها لها.. ستفضّل حينها الـ(أوفر تايم) على أن تُمضي تلك السّاعات في إكمال ديوان شِعرِك الذي تزعُم أنّه سيغير العالم.. ستنساه ولن تلتفت له.

لقد كُتب على جيلنا أن يَعي. كُتب علينا أن نسعى ونضحّي بأوقات راحتنا لنجعل الأرض صالحةً للحياة. وإذا لم نقبل هذا العرض الإلهي وفضّلنا أن نذهب للحديقة كلّ جمعة مع الأصدقاء لنأكل المشاوي ونشرب الأركيلة فسيكون العرضُ للجيل الذي يلينا. هذا ما أؤمن به.. وبكلّ بساطة.

بالمناسبة.. هذه الرّسالةُ كتبتها في ٢٩ أغسطس ٢٠١٥ أهديها لي. إلى عبدالرحمن الموظّف العائل لخمسة أولاد.. ربما. أهديك هذه الرسالة لتتذكر من كنتَ يوماً ما. وكذلك أريدك أن تهديها أيها القارئ لنفسك في المستقبل. ربما تكون حينها سنة ٢٠٣٠ أو أكثر أو حتّى أقلّ.. لكن يا صديقي سأقول لك من باحة هذا الزمن إياك أن تتوقف عن الإيمان بنفسك وبأحلامك، إياك أن تتخلّى عنها.. إياك أن تتخلّى عنك وتختفي في الزّحام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.