المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن بسام غنم Headshot

جاسوسُ المَوت : الخوف، وتبديده بالعشق في فلسفة محمد إقبال.

تم النشر: تم التحديث:

الخوفُ جاسوسٌ قديمٌ من إقليم الموت. هكذا وصف محمد إقبال الخوف في ديوانه رموز نفي الذات ولهذه الكلمة فلسفة لها جوهر ثابت وبريق أخّاذ باهر يبدد ظلمة الرّعب.
فلسفة إقبال في كتبه جميعها تدور حول [ الذّات ] ومن البديع أن أسماه حسن حنفي بـ [ فيلسوف الذاتيّة ]. وجوهر فلسفته هو الدعوة إلى البقاء لا الفناء، أو إثبات الذات كما يحب أن يسمّيها. والقصد من إثبات الذّات هو تفعيلُ الإنسان نفسَه وتمكينُه لمواهبِه وقدراتِه حتى يستطيع إضافة شيء لهذا الكون لكي يصبح عالماً أفضل لحياة الإنسان وبالضرورة فإنّ عليه أن يترك البطالة وإنجاز الحدّ الأدنى فحسب من متطلبات الحياة اليومية للعيش. ومما يُشار أنّ فلسفة إقبال هي محاولة جمعٍ واتّزانٍ بين ثنائية : الحركة و الإخلاص، أي بين عشق الإله و العمل للإنسان وهو ما يحب أن يختصرها بـ "الوَجدُ الأقصى و المجاهدةُ القصوى" أو بمعنى آخر : كُنْ مجنوناً مع الله .. يقظاً مع محمد.

يُشير إقبال في شِعره إلى القوى التي تَزيد من إثبات الذّات مثل : الحبّ و التّسامح و الشّجاعة و الفقر -وهو المصطلح الأشهر عند إقبال- و الفعل الأصيل الخلّاق، و في مقابل هذه القوى يسرد التأثيرات المُوهنة التي تضعف قوّة الفعل و تهشّم ذات الإنسان وهي : الخَوف و التوسّل و العبوديّة و التقليد. إلا أن حديثه عن الخوف في قصائده هو ما أذهلني وما دعاني للكتابة.

اتخذ الخوف عند إقبال المرتبة الأولى ضمن التأثيرات الموهنة للذات. وذلك لأن الخوف ثقبٌ تعبرُ من خلاله فكرة الموت إلى عالمٍ ينتعش بالحياة لا مكان فيه إلا للأحياء. وعند إقبال : "حقيقة الموت الوحيدة هي انعدام النشاط". ولذلك كان الخَوفُ جاسوساً قادماً من عالَم الموت يبعثُ في الذّات الخرابَ ويدعوها للقعود في ركنِ الموت السحيق .. يقول إقبال : "حين تَنمُو بذرَة الخَوف في تُرابك، فإن الحَياة تَتَرَاجَعُ عن تجلّيها". بل ويكرّر إقبالُ أنّ الخائفَ لن يقدر على أن يهدهد ولا أن يُغنّي لهذا العالم المنهك من التعب : "فإذا لم يظهر لحنُك يوماً، فاعلمْ بأنّ أوتار قيثارتِك ارتخَت من الخوف".

فالخوف عدوّ للحركة والتقدّم وهو قاطعٌ عن الفعل ويحوّلُ الذاتَ الطاهرةَ إلى حَيّةٍ خبيثةٍ تعودُ إلى وِكرها خائفةً من كلّ ما يدعوها إلى الخروج للنور! يحكي إقبال : "مهما كان الشرّ المختبئُ في قلبك يمكنك أن تكونَ على يقينٍ أنّ مصدره هو الخوف". وبهذا يُعلن أن الخوف مصدر كلّ قبح يشوب جمال الإنسان الأصيل : "من الخوف يتولّد التملّق، ويظهرُ المكرُ والخداعُ والحقدُ والضغينةُ والكذب، ثوبُه يُخفي بين تلابيبه الزّور، وفي حضنه يكمُن الرّياء، وهو يُثير الفتن فيما بينّنا، حَرَمَ الخوفُ كلّ صاحب همّة من أن يحكُم نفسه ويقوَى، فقد رضي بالذلّ وصار حليفاً للضعيف" ومن الواضح أنّه يقصد بأن الخائف أصبح حليفاً للشيطان صاحب الكيد الضعيف بل ويوضّح ذلك بكلّ جرأة إذ يقول : "إن خوفَ الله دليلُ الإيمانِ الواضح، وخوفُ الآخرين هو الشّرك الخفيّ". ويعيدها ويجلّي أكثر فأكثر : "من يفهم سرّ المصطفى، يدرك أن الشّرك مضمرٌ في الخوف".

يدعو إقبالُ إلى اعتناقِ الحبّ واتخاذه منهجَ إيمانٍ يتلاشى به الكفر : "أحرِق بالعِشقِ كلَّ مشاعرِ الخوف". فالإيمان عند إقبال أصله الأمن و لا يكون الإيمان ولا يكون الأمن كذلك إلا بالعشق : "وجود العشق موقوف على المؤمن". وهُنا أختمُ ببيتِ شِعرٍ له في دِيوان أسرار الذّات يحملُ من الصّدمة ما يدعوني إلى الوقوفِ عندَ هذا الحدّ، ويعلن أن العشق إيمانٌ وأنّ الخوف شرك، إذ يصدر فتواه المختومة بختم قلبه : "المسلم الذي لا يعشق كافر"!

الخوف يجعل الإنسان يتكوّم بأقنعة الآخرين بينما الحبّ يبعث في الإنسان تلقائيّته وعفويّته وفطريّته، الخوف بكلّ أشكاله السلبية يا صديقي القارئ هو ما أتحدّث عنه وليس الخوف الطبيعي الإيجابي، وسّع المعنى .. الخوف من الرفض، التعلّق والخوف من الفقد، الخوف من الخطأ، الخوف من العقاب، الخوف من التغيير، الخوف من المستقبل، الخوف من نفسك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع