المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن الهجام  Headshot

الاستنارة المظلمة 2\2

تم النشر: تم التحديث:

"حتى تفهم العالم عليك أن تعرف مصدر أفكاره".. هكذا يتكلم علي عزت بيغوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب"، الذي قام فيه بتفكيك الرؤية المادية للعالم وتفكيك الرؤية الدينية المسيحية، وأنهما ضدان لا يجتمعان بالنسبة لأصحابها، أي أن التصور العلماني والديني في العالم الغربي متقاطعان تماماً.

ولا تسطيع أن تحكم العالم أو أن تعيش فيه إحدى هاتين الرؤيتين، فكان لا بد أن يستلف أحدهما من الآخر، فاستلف الدينُ من العلمانية التنظيمَ في الحياة وأشياء أخرى، واستلفت العلمانيةُ الحريةَ والعدل وبعض القيم الأخرى، ويرى أن الإسلام هو الذي جمع بين هذين المُرَكَّبين المتنافرين.

ففي عالم تحكمه الرؤية المادية يستحيل إيجاد شيء اسمه حرية أو عدل، فالإنسان مادة لا يختلف عن أي شيء في الوجود، وهو تطور حيواني حسب الرؤية الداروينية، فلا حرية لمادة وحيوان كما لا عدل بينهما حسب رؤية بيغوفيتش.

هناك أفكار يرى المسيري أنها التي ساعدت في اتساع نطاق العلمانية من جزئيتها إلى شموليتها، فالعلمانية الجزئية هي فصل رجال الدين عن الدولة، أما الشاملة فهي فصل القيم عن الحياة، فيصبح العالم عالماً بلا معنى ولا هدف ولا غاية! هكذا يرى المسيري، ولكن ما تلك الأفكار التي ساعدت في وجود العلمانية الشاملة أو بالأصح في اتساع دائرة العلمانية من الجزيئة إلى الشمول؟ دعنا نراها

أولاً نظرية داروين التي ترى أن الإنسان حيوان أو هو سليل حيوان ما يهم أن الإنسان ليس هو الذات القادمة من عالم آخر بل هو ابن الأرض ويحتكم بها، ولا حد فاصل بينه وبين غيره من الكائنات، وعليه أن يأخذ مرجعيته من عالم الطبيعة.

فرؤية دارون أعطت للعالم رؤيته التصارعية والاحتكام إلى القوة فالحق القوة كما يعبر نيتشه الفيلسوف الألماني، ومن هذه الرؤية التصارعية انبثقت حركات الاستعمار.

ثانياً نظرية آينشتاين في النسبية، وهي نظرية فيزيائية عن الكون، ولكن تم نقلها إلى عالم الإنسان والقيم، فكل شيء تحول إلى نسبي يختلف من شخص لشخص، فتمت عملية تحويل كل شيء إلى نسبي خاضع فقط للرؤية الشخصية، فسقطت على إثر ذلك كل القيم، ويجدر أن ننبه أن الرؤية النسبية في عالم القيم الإنسانية كان يقول بها السفسطائيون قبل سقراط، واتسعت في هذا العصر بسبب نظرية آينشتاين.

ثالثاً نظرية فرويد عن الإنسان ذي النزعة الجنسية، وأن ما يحرك الإنسان ليس إلا دوافعه الجنسية، فعلى إثر ذلك اتسع الجنس ليصبح شيئاً مقبولاً ومرغوباً، ولأن الإنسان لا معنى له غير أنه مادة لا غير فاتسع الجنس، فلا فرق بين الجنس بامرأة بعيدة أو محرم أو بين ذكرين أو أنثيين فكل شيء مقبول ومكفول ومستحق ما لم يكن هناك رفض من أحد الطرفين.

رابعاً نظرية ويليم جميس البرغماتية، أو المذهب النفعي، فالقيمة التي يدور فيها العالم هي المنفعة ويحصرها المسيري في المنفعة الاقتصادية (اللذة والاستهلاك) فالاقتصاد الذي يحتكم إلى العرض والطلب والإنتاج والاستهلاك، وهو محكوم بمدى زيادة النفع المادي وزيادة الثروة المادية، ولا يهم كثيراً كيف تأتي وعن أي طريق ما دام أنها تحقق زيادة في الثراء.

وعلى ذلك فالإنسان أيضاً محكوم بتلك الرؤية، فما كان يحقق منفعة تم الوقوف إلى جانبه، وإن كان قتله يحقق منفعة فلا بأس، والعهد النازي كان عهد العلمانية الشاملة في أعلى درجاتها التي وصلت إلى الآن
وعلى ذلك عليك أن تنظر إلى تحركات العالم وفق هذه الأمور.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.