المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحيم خالد درويشة  Headshot

جواب على سؤال قديم

تم النشر: تم التحديث:

عندما خرجت إلى لبنان أثناء الثورة قابلت صحفيا لبنانيا فسألني متعجبا: كيف فعلتم ذلك؟! كيف واتتكم الجرأة لتقوموا بالثورة على هذا النظام؟! نحن اللبنانيون نعرفه جيدا، لقد عايشنا جيش الأسد لعقود، و نعلم أنه لا يتورع عن القيام بأي شيء ليبقى! أجزم أنكم -أنتم الشباب- لا تعرفونه حق المعرفة! و إلا لما ثرتم و لا نطقتم بكلمة!

صدقت يا صديقي! نحن لم نكن نعرفه حق المعرفة! لقد كنا نسمع عن السجون و لكننا لم نرها، لقد كنا نشتم رائحة الموت صبرا و عذابا، و لكننا لم نجربها، لقد كنا نعد العصي غير أنّا لم (نأكلها)!

سأخبرك بشيء ربما لم أكن أعلمه وقتها، و لكنه ما يجول في خاطري اليوم ...

ينتفض الإنسان في حالتين، في الحالة الأولى يكون مدركا لهدفه و مستعدا للتضحية من أجله مهما بلغت خسائره، و تلك مرتبة تستعصي إلا على الواصلين!، و الثانية عندما يخسر أصلا كل شيء فلا يبقى له ما يخشى عليه، فيختار موتة كريمة يسطر بها إسمه على صحائف التاريخ و تجنبه لعنات اللاحقين! و ذلك شرف يناله كل المريدين!

لم نكن بحاجة لأن نعرفه لنثور عليه، و لم يكن لزاما علينا أن ندرك قوته حتى ننتفض في وجهه، بل ربما أعاننا جهلنا به على أن نستجمع شجاعتنا و نثور، فالخوف المتغلغل في القلب يكبل الجوارح و يخدر العقل!

لقد حاورت الكثيرين في أول الثورة و راودنا جميعا ذلك السؤال، هل الثورة هي الحل؟! و هل يجب أن نقوم بها و كيف و متى؟! فأما المتعلمين و المتصدرين للكلام فقد كنا نسمع تحليلاتهم للواقع السوري و طبيعة النظام و خطورته و أمور كثيرة أخرى، تنتهي غالبا بالنفي! بينما كان جواب الشعب عموما جواب ذلك الشاب الذي حاول البعض إقناعه بعدم التظاهر فقال: و درعا و أطفال درعا؟! و انطلق يجري!

لقد كانت البساطة هي ما حركنا، و الجهل بتلك التفاصيل التي لا تفيد وقتها هو ما حجب عنا تلك التبريرات التي جعلها البعض سدا بينهم و بين شرف المحاولة، لقد كانت كل تلك التفاصيل عن موازين القوى و قوة النظام و بطشه و من يدعمه و من يدعمنا و من يمثلنا و من سيكون الرئيس القادم أو زعيم المعارضة و غيرها من تلك الأمور، كانت كلها غائبة عنا! فلم يحتج هذا الشاب أبدا لأن يفكر بذلك عندما قال: و درعا و أطفال درعا؟! لقد جسد أطفال درعا في ذلك الوقت صورة واقعية جدا للظلم و بدى لنا أنه شيء يمكننا العامل معه، لا أدري كيف و لماذا في ذلك الوقت و لكنه حدثٌ بلغ عقول و أفئدة الشعب و حرك فيهم ما كان ساكنا، لقد انصب تركيز الجميع هنا على، كيف ننقذ درعا و أطفال درعا، و لم يذكر أحد يومها النظام و قوته أو حلفاءه.

لقد كنا بحاجة لأن نثور فثرنا، لقد ضاقت علينا أنفسنا من الظلم فطلبنا العدل ، لقد اشتقنا إلى حريتنا المكبلة بأغلال خوفنا، فكسرنا القيد و استرددنا حريتنا، أما تلك النزاعات و الخلافات و المحاصصات و المصالح، و كل شيء قد نعاني منه بعد ذلك، فهو ضريبة ندفعها، و الدين المستحق في رقابنا يوم رأينا الظلم و صمتنا، يوم ذبح الجار أمامنا فغضضنا الطرف، يوم أصممنا آذاننا عن نداء الحرية و لم نقل:و حماة و أطفال حماة؟! و غزة و أطفال عزة؟! و العراق و أطفال العراق؟!

لا أدري إن كنت أجبتك يا صديقي، و لكن كما رأيت هنا يبدو أن جهلنا قد أتاح لنا الفرصة هذه المرة، و بعدنا عنكم -أنتم أصحاب الكلام و الأقلام- قد كان خيرا لنا ... إلى حين على الأقل!

يا صديقي أنه شيء كان ينبغي أن يحدث ... و حدث!

تصبحون على حرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.