المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحيم خالد درويشة  Headshot

كي لا تنسينا الدماء فطرة الجمال!

تم النشر: تم التحديث:

صورة الشهيد و هو بين أهله بيتسم أو يلعب أجمل بكثير من صورته مضجرا بدمائه متقطع الأوصال، فالأولى تثير فينا التعاطف و الشفقة و الحب، أما الثانية فمؤذية للنفس جارحة للشعور، و مخطئ من يظن أنه يكسب تعاطف الناس بهذه الصور، فطبيعة البشر تنفر من هذه الصور حتى و إن كانت لقريب أو حبيب، فاستعطاف الناس بالوجه الجميل أعمل فيهم ألف مرة من أستعطافهم بالأشلاء!

ما زال العالم يرانا منذ سنوات بعيون حمراء و ربما سوداء، نعم لقد أصبحنا علامة على الموت، فيكفي أن تذكر اسم سوريا حتى تتراءى لك الدماء و الدمار و القتل و الملثمين العابثين بالحياة، لم تعد هذه صورة العالم عنا فقط، بل لقد غدت صورتنا عن أنفسنا. فمن النادر أن يقترن اسم سوريا الجميل بصورة جميلة، أو خالية من الدمار و القتل، لقد أوشك ذلك على أن يصبح جزءا مسجلاً و مقيداً من تاريخنا، لقد ترسخت هذه الحقبة السوداء عميقا في ذاكرتنا و أخشى أنها تصوغ هوية جديدة في داخلنا.

هناك علاقة وثيقة بين المدخلات التي يستقبلها الإنسان من محيطه، و الإحسان الذي يجود به الإنسان على الناس من حوله كرد فعل جميل، يقول مالك بن بني في كتابه شروط النهضة: "إن الإحسان صورة نفسية للجمال"، لذلك أقول أن الإنسان تموت رغبته بالإحسان و المعروف بقدر ما يفقد الإحساس بالجمال.

اجتماعياً هناك علاقة وثيقة بين جمال الصورة في المجتمع و جمال أفكاره، و لنقل أنها علاقة تفاعلية تبادلية، فلا تكون الفكرة الجميلة متجسدة في مظهر قبيح، كما لا تكون الفكرة الصائبة الصحيحة إلا جميلة و بديعة، و لكن أثر ذلك على المجتمع لا يكون إلا بأن يكون الإحساس بالجمال و التفاعل معه و الإقبال عليه جزءا من الثقافة التي يربى عليه الفرد داخل المجتمع، و جزءا من المحيط الدائم الذي يعيشه و عنصرا أساسيا في كل تفاصيل حياته اليومية.

الجمال عنصر أساسي من عناصر ثقافة أي مجتمع، بل ربما نقول أن الذوق الجمالي لهذا المجتمع هو الذي يظهر ثقافته بالشكل الذي يستحسنه الآخرون أو ينفرون منه، فالمجتمع راق و متحضر بقدر ما يطغى الجمال على صورته و مظهره، أي بقدر ما يلعب الجمال دورا في رسم ملامح تلك الثقافة. فإذا كانت الثقافة هي اللون الذي يميز كل مجتمع عن آخر، فيبقى علينا عندها أن نظهر هذا اللون بحلته الأجمل.

و حتى لا نذهب بعيدا عن واقعنا المتعطش للجمال، أقول إنه أليق بنا و بالشهيد أن نظهره كاملا جميلا في صورة يستطيع العالم أن بسشعرها و يتفهمها، لا أن نظهره مضجرا بدمائه ملفوفا بكفن، و ذلك مالا يثير فيهم إلا الألم و الحسرة، و أيضا لو كانت صور الدماء و الخراب هي من سيدفع العالم لنجدتنا فكان الأولى به أن يفعل منذ زمن، و لكن الصورة التي يستشعرها العالم عنا هي صورة بلد خرب مدمر، بؤرة للموت و بقعة للبؤس، لقد جربنا هذه الصورة طوال أربع سنوات من الثورة و لم تعمق فينا إلا الألم و الخبية و شعور الضحية، و إن كنا قد أدمنا هذه الصورة لأننا مضطرون ذلك، فأن بقية البشر ليسوا كذلك.

و أخيرا، لا يكفي فقط أن نتجنب الصورة الجارحة إذا صح تسميتها كذلك، فكثيرة هي الصور الجميلة التي يمكن أن نخرج بها إلى العالم، صحيح أن المعركة ما تزال مستمرة و أن الدماء ما تزال تسيل و لكن هذا جزء من الصورة و ليس كلها، و كيف يعمينا لهيب المعارك و غبارها عن الأحياء الذين ما زالوا متعلقين بالأمل مصرين على النفس، متفانين أن يحظوا بنصيبهم منه رغم ضباب الموت العابق في الأفق؟، أم كيف تطغى أصوات الرصاص على ضحكات الأطفال و أصواتهم التي مازالت تملأ الأرجاء؟

الحديث عن الجمال في سياق المجازر و الدمار ليس خروجا عن النص، بل على العكس تماما، فإننا أشد حاجة إليها في تلك اللحظات من أي وقت مضى، علّها تحفظ علينا بعض التوازن و تجدد في نفوسنا روح الحياة الكريمة التي خرجنا ابتداء من أجلها، فالوردة أكثر ما تكون جمالا إذا أزهرت من بين الركام!
و أيضا فإن الإحساس بالجمال و تذوقه حاجة و ليس بذخا، ولا علينا أن ندمن الدماء و البكاء حتى في أحلك الظروف، يقول مالك بن نبي: "إن الجمال هو وجه الوطن في العالم، فلنحفظ وجهنا، و نفرض احترامنا على الجميع الذين ندين لهم بنفس الأحترام"

و أخيرا ... فنحن ننتزع نصرنا طالما نستخلص الجمال من تفاصيل حياتنا، و نمضي نحو كرامتنا مع كل فيض من الجمال نشعر به، و نعيش حريتنا مع كل مع كل لمسة جمال ندركها .. و نقدّرها و نحبها!

اللهم من فيض نورك ومضة، و من بديع جمال بعضه ...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع