المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد القادر بن مسعود Headshot

الشعانبة.. تاريخ يأبى النسيان

تم النشر: تم التحديث:

منذ أن أيقنت فرنسا أن بقاءها في الجزائر بات مسألة وقت لا غير، عملِت على الاحتفاظ بالشطر الجنوبي للبلاد عبر مشروع فصل الصحراء التي كانت تحتوي على ثروات جمَّة، لكن من سوء حظ فرنسا، وقف الجزائريون ومن ورائهم سكان الصحراء من قبائل الشعانبة والطوارق أمام هذا المخطط وبكل قوة، رافضين المشروع، رغم وجود بعض الجيوب التي ساندت علناً وخفية مشروع تقسيم الجزائر واحتفاظ فرنسا بالصحراء مقابل الاستقلال للشمال.

عمل سكان الصحراء، ونخص بالذكر قبيلة الشعانبة "أكبر قبائل الصحراء نفوذاً" بإخلاص وتفانٍ من أجل إفشال تلك المؤامرة، بالتنسيق مع المخلصين من قادة الثورة التحريرية في باقي الولايات الست.

فضلُ قبيلة الشعانبة في إفشال مخطط فصل الصحراء الجزائرية وإتباعها بالمحتل الفرنسي أثناء الاستعمار، أو أثناء محاولة ملك المغرب الحسن الثاني احتلال الصحراء الجزائرية عبر حرب الرمال، لا ينكره سوى جاحد بالتاريخ، فالتاريخ ومن قبله الجغرافيا أرَّخا بطولات أبناء الشعانبة في الصحراء، هذه البطولات جعلت المستعمر الفرنسي وأزلامه يضعون القبيلة في القائمة السوداء.

قبيلة الشعانبة التي أرعبت المحتل الفرنسي وجعلته يحشد خيرة أبنائها في محتشد وسط عاصمة ويحاصرهم لسنوات كضريبة على إعلانهم الجهاد منذ أن وطأت أقدام المستعمر باب الصحراء.

ثعالب الصحراء كانت بداية الحرب على هوية وتاريخ ساكني الصحراء الجزائرية؛ إذ تحول من لقب يطلق على الصياديين والمحاربين الجزائريين في قلب الصحراء الذي صار يختصر في القالب والمضمون على الفريق الوطني الجزائري لكرة القدم.

يحاول اليوم بعض من حكام المرادية وبإيعاز من فرنسا طمس التاريخ، ومحو الهوية والأسماء، فبعد أن شوّهت بعض القبائل في الداخل الجزائري، وبعد المحاولات التي أريد بها طمس تاريخ الشعانبة، يحاول اليوم مَن تبقى ممن يحمل الحقد لهذه القبيلة أن يرمي باسم الشعانبة إلى مجلد التاريخ، فمنذ ثمانينات القرن الماضي حول اسم مدينة متليلي الشعانبة معقل وعاصمة أكبر قبيلة ساكنة في الصحراء إلى متليلي وحدها دون الإشارة إلى التسمية الصحيحة للبلدة.

هذا التزوير في التاريخ ليس وليد اليوم في حكام الجزائر بعد الاستقلال، فالشعانبة يراد لهم أن يسلكوا طريق أكبر قبيلة في الجزائر، قبيلة أولاد نايل التي مسخت فرنسا تاريخها.

مع نهاية العام المنصرم اختار أبناء الشعانبة أن يستعيدوا حقهم؛ تسميتهم وتاريخهم، فخرج الآلاف منهم مطالبين الحكومة الجزائرية باستعادة مصطلح الشعانبة في المراسلات والوثائق الرسمية، المطالبات هذه وكعادتها لم تلقَ آذاناً مصغية، ولا ردود فعل من أصحاب القرار، ما قد يؤزم العلاقة بين الحكومة وجزء من شعبها، خصوصاً أن الوزير الأول له ذكريات ليست بالطيبة في مدينة متليلي الشعانبة، حين كان مديراً للحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة.

عرف من القدم أن سكان الصحراء وطنيون حتى النخاع، وأن معظمهم سالك درب الحكومة والنظام الحالي، حتى صاروا يعيَّبون بوطنيتهم وإخلاصهم الزائد، لكن اللعب بالتاريخ ليس كاللعب بالسكر والزيت، والأصل عند العرب فضيلة.

سكت الجنوب وأهله عن التهميش والبطالة والعنصرية ما سكتوا، لكن الأكيد أن مَن سكت حباً لوطنه، لن يسكت لحظة، لن يسكت لحظة عن مس تاريخه أو حذف تسميته؛ لأن هؤلاء ببساطة هم الشعانبة.. التاريخ الذي يأبى النسيان!