المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد القادر بن مسعود Headshot

خان شيخون.. ضحيّة السيرين

تم النشر: تم التحديث:

لربّما أصبحت المجازر وأخبار القتل والإرهاب مألوفة عند الجميع، وبات من المعتاد أن تحدث حوادث العنف السياسية والمخطّط لها عبر العالم أسبوعيّاً، بل تصل حتى يومياً، العالم اليوم يعيش على وقع حربين؛ حرب في سوريا دخلت عامها السادس، وحرب أخرى على تنظيم داعش معلنة منذ أزيد من ثلاث سنوات، وفي الحقيقة ما هي إلا استمرار لحرب الولايات المتّحدة على تنظيم القاعدة، منذ 2001، إلى هنا لا يوجد شيء جديد، العنف والعنف المضاد، يتبادلان الفعل بلا نهاية متوقّعة حتى الآن.

العنف في سوريا يحدث كلّ يوم وكل لحظة؛ إذ إنّه لم يعد من الممكن إحصاء عدد الضربات الجوية التي تنفذها روسيا والنظام كلّ يوم على المناطق التي تخضع للفصائل المعارضة، القصف على السوريّين أصبح حدثاً يوميّاً معتاداً، ولم يعد العالم يأبه، ولنكن منصفين للقضية أكثر فهذا العالم لم يأبه أصلاً لشيء في سوريا من قبل، وإلاّ لكان، ربّما، فعل شيئاً.

شبكات التواصل الاجتماعي التي نستخدمها يوميّاً، والتي كانت مساحة كبيرة لمشاركة أحداث الثورات في الدول التي شهدتها منذ 2011 لم يعد الهمّ السوري والألم السوري حاضراً في مشاركاتها، رغم حضوره الأساسي عبر منصات السلطة الرابعة، كأن بوسائل التواصل الاجتماعي تقول سئمت من الأخبار المكرّرة.


عندما سمعت، الاثنين الماضي، عن التفجير الذي حدث في مدينة سان بطرسبورغ في روسيا، والذي حدث ظهراً تقريباً، تصفحت رويترز مباشرة، فلم يتطرّق لذهني الشكّ لحظة أنّ الخبر سيكون هو الأوّل عالميّاً على منصات التواصل، وأنّ وكالات الأنباء والصحف العالمية الأولى، مثل السي إن إن والجزيرة ستكون جاهزة بالتفاصيل والخرائط والتتابع الزمني للحادث، وتصريحات المسؤولين، وأعداد الضحايا وأسمائهم، والاحتمالات المتوقّعة لمرتكب الجريمة، التي يكون أوّلها تعلّق الحادث بتنظيم جهادي، وهكذا قررت في نفسي ألا أعلق على الموضوع سوى بمنشور بسيط بكلمات تبارك الهجوم.

صباح الثلاثاء، استهدف طيران النظام مدينة خان شيخون بإدلب بغاز السيرين، وهي المحافظة الواقعة تحت سيطرة المعارضة في سوريا، وكانت نتيجة هذا القصف استشهاد أكثر من 100 مدني، من بينهم 19 طفلاً، لم تكن خان شيخون المدينة الوحيدة التي قصفها النظام بالكيماوي، وعلى الأغلب، لن تكون الأخيرة.


هذا الخبر ليس مهماً للإعلام العالمي، ليس مهماً على الإطلاق، كما أنّه ليس مهمّاً كذلك لشبكات التواصل الاجتماعي.

بالعودة إلى الوقت الذي وقع فيه انفجار في محطة مترو الأنفاق بمدينة سان بطرسبورغ، ثاني المدن الروسية، وهو التفجير الذي أوقع حوالي 11 قتيلاً وعدداً من الجرحى، ولم يُعرف مرتكبه حتى لحظة كتابة هذه السطور، كانت الطائرات الروسية تقصف مدن الغوطة الشرقية: دوما، وسقبا، وعين ترما، وغيرها من المدن، وكانت الخارجية الروسية تعرف الإرهاب وتتوعده، لم تمضِ سوى ساعات وأيّام قليلة حتى جاء الردّ، السفاح بشار الأسد يقصف الإرهابيين بالسلاح الكيماوي، إرهابيين تراوحت أعمارهم بين أربعة أشهر وثمانين سنة في غالب الأعمار، إرهابيين عزل لا يملكون سوى الدعاء كحصن لهم، بينما أشاهد في صفحة صديقي موسى العمر أحدث الفيديوهات عن المحرقة، عادت بي الذاكرة إلى الجزائر، حين أحرقت فرنسا الجزائريين بالنووي، في تلك الفترة لم يكن هنالك لا وسائل تواصل ولا وكالات متابعة، إلاّ أنّ الخبر وصل للجزائريين والعالم ووثّق للأجيال.

التاريخ لم يذكر حديثاً أن مجرب حرب نال جزاءه، اللهم إذا استثنينا الديكتاتور معمر القذافي وحادثة الـ20 من أغسطس/آب، فلم يمر أي مجرم على فظاعة إجرامه على عدالة، هذا لا يمنعنا من مواصلة ثورتنا ضد الطغيان، لكن إن كان لأحد يراد أن يكون التالي في القائمة بعد القذافي، فلن يكون غير سفاح العصر وقاتل الأطفال بشار الأسد .

هل سمعت -عزيزي القارئ- عن هذا القصف الوحشي على دوما؟ على الأغلب: لا. هل سمعت عن تفجير سانت بطرسبرغ "الإرهابي"؟ على الأغلب: نعم. هل اهتمت السي إن إن بجرائم روسيا في سوريا؟ الإجابة: لا، بالتأكيد. هل كان حدث سانت بطرسبرغ أولوية أولى ومطلقة؟ الإجابة: نعم.

الرحمة على شهداء دوما.. والعزاء لضحايا بطرسبورغ.. واللعنة على المتخاذلين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.