المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالمجيد إدريس Headshot

السلطة الشعبية على وسائل الإعلام "1"

تم النشر: تم التحديث:

أصبحت الحاجة ماسة لأن تواجه المؤسسات الإعلامية ضغطاً من قِبل مواطني الدول ليكونوا إحدى الجهات المؤثرة على وسائل الإعلام؛ لتنتج مواد إعلامية غير دعائية، بل مواد غنية تعمل على الإثراء والتوضيح للقارئ حقيقة ما يحدث في هذا العالم.

هذه القوة الثالثة التي يفترض أن تنشأ يجب أن تتوازى في قوتها مع تأثير رجال السياسة، ورجال الأعمال في التأثير على المؤسسات الإعلامية، وذلك من خلال أن يتعلم المواطن مهارات الثقافة الإعلامية، بحيث يكون قادراً على تمييز ما هو دعائي وحقيقي، وقدرته أيضاً على معرفة كيفية بناء الرسالة الإعلامية ولأي هدف بُنيت، وطرق تضمين القيم ووجهات النظر في الرسائل، أو عدم تضمينها، ومن ثم نقد المواد الإعلامية أو الجهات الإعلامية نفسها، وهي مهارات يجب أن تغرسها جهات التعليم والتربية في الدول.

تأتي هذه السلطة الجديدة لتكون مؤثرة في البيئة الإعلامية المعاصرة التي يؤثر فيها عاملان قويان؛ الأول السلطة السياسية، والعامل الثاني هو المال، فالعمل الإعلامي أصبحت تكاليفه أكبر من السابق، وذلك بسبب طبيعة الاقتصاد العالمي الذي أصبح يعتمد على المعرفة أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي أصبحت النفقات على الموارد البشرية أعلى بسبب عوامل الابتكار والإبداع.

كما يحيط بالمؤسسات الإعلامية تحدٍّ صعب جداً، وهو أن تكون تلك المؤسسات مستمرة ومتواكبة وقادرة على الصمود وتطوير نفسها، وذلك بسبب سرعة التطور في المجال الإعلامي، وصعوبة مواكبة ذلك، وهذا ما يجعل جهات إعلامية تصرح من وقت لآخر بتخفيض الكوادر البشرية فيها، وقلة الميزانيات وربما توقعات بانتهاء تلك الإمبراطورية الإعلامية، كهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وقناة الجزيرة القطرية التي أعلنت قبل فترة إغلاق ذراعها الإعلامية في أميركا.

كل تلك العوامل بالإضافة إلى عوامل أخرى، تجعل المؤسسات الإعلامية محاطة بتحديات كبيرة لها، مما يجعلها ترضخ وتغض الطرف عن التدخلات الحكومية الرسمية، ورجال الأعمال على التأثير على إنتاج المادة الإعلامية بما يجعلها مادة تميل إلى الدعاية، أكثر منها للعمل الصحفي الذي يشبع رغبات المتابعين، ويفيدهم، ويفسر لهم ما يحدث في هذا العالم.

إن هذه المشكلة الإعلامية تمس أغلب المؤسسات الإعلامية في العالم، إذ مثلاً كيف لرجل أعمال مثل دونالد ترامب كشخص غير ملم بالعمل السياسي، أن يتصدر المشهد السياسي ويفوز بتمثيل المحافظين رغم آرائه المثيرة للجدل في الانتخابات الأميركية، إنه لم يكن ليتسنى له ذلك لو لم يكن له نوع من التأثير على وسائل الإعلام، كما أشار إلى ذلك توماس فريدمان في إحدى مقالاته عن دعم إعلامي محلي لترامب، فضلاً عن كون وجود ترامب يدر أموالاً على الجهات الإعلامية بسبب الإثارات التي يختلقها.
لقد تفاءل كثيرون بقدوم مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام الجديد التي بدلت اللعبة إلى حد ما، وجعلت للمواطن القدرة على صياغة المادة الإعلامية التي تخدم مصالحه، إلا أن المؤسسات الإعلامية القوية بسبب ما تملكه من خبرة، دخلت تلك الوسائل وأبدعت فيها، واتجه إليها الناس مرة أخرى، لا سيما بعدما صاحب وسائل التواصل الاجتماعي انتشار الشائعات والمعلومات المضللة وأحاديث الكراهية والأكاذيب، وغير ذلك من الأمور السلبية.

لقد ثبت لكثيرين من علماء الاتصال والإعلام في العالم أن لوسائل الإعلام دوراً كبيراً في التأثير على الناس، وذلك بعد مساهمة وسائل الإعلام في حدوث الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي أثناء هذه الحرب الأخيرة كونت لجنة هاتشينز، المنسوبة إلى روبرت هاتشينز رئيس جامعة شيكاغو، الذي كلف لجنة لإنشاء وثيقة توضح دور الإعلام في المجتمع الديمقراطي، وخرجت بوثيقة إعلامية تشير إلى أن الإعلام يجب أن يمثل صوت المواطنين، ويعمل كجهة مراقبة للأداء الحكومي، فضلاً عن أفكار أخرى ترتبط بأخلاقيات الإعلام، وتم تضمين كثير من أفكارها في كثير من الدساتير لبعض الدول.

الغريب في الأمر أن أخلاقيات الإعلام حالياً لا يهتم بها كثير من الإعلاميين، بل أصبحت تلك الأخلاقيات مادة للسخرية منها في بعض الأحيان، لقد قالها هيغل ذات مرة "إننا نتعلم من التاريخ درساً مهماً وهو أن أحداً لم يتعلم من التاريخ"، فالبروباغندا التي تم التحذير منها في أخلاقيات مهنة الصحافة تعود إلينا من جديد، وستستمر إلى أن تحدث الكارثة العالمية الأخرى.

لعل صمام الأمان والمانع من حدوث تلك الكارثة هو أن يكون للمواطن البسيط وعي قادر على الضغط على وسائل الإعلام، بما يجعلها خادمة لمصالح الجميع بمن فيهم رجال السياسة والأعمال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.