المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد اللطيف حيدر Headshot

هل مات الربيع؟

تم النشر: تم التحديث:

أعلن ربيعٌ فتيٌّ عن نفسه دونما سابق إنذار، عصف بالشارع العربي ضد حكومات أفسدت حياته، وتسلطت على قراره، ورقصت على أوجاعه، وتركته يواجه الجوع والبرد والمخافة، بل زيفت إرادته، وجعلته أضحوكة العالم، ورمزاً للتخلف والغباء.

قطعت مؤخراً بعضٌ من حكومات دول الخليج العربي علاقاتها الدبلوماسية مع قطر وحاصرتها، وأغلقت منافذها البرية والبحرية والجوية معها، في خطوة تصعيدية خطيرة ومتسرعة ضد دولةٍ خليجية وعنصر فاعل ومؤثر في مجلس التعاون الخليجي بتهم ملفقة ومنفية، تكشف مدى الخلل في معايير تقييم وفهم قضايا المنطقة العربية، وتضليل الشعوب في صناعة قرارات تخدم العدو الحقيقي في المنطقة تحت عباءة الإرهاب -الإرهاب الذي لا يجدون له تفسيراً عملياً فعلياً- وتمثلت الدول التي اتخذت القرار بالسعودية والإمارات وتأييد مملكة البحرين ولحقتها بعض من حكومات الدول التي تعد إما فاقدةً للأهلية في اتخاذ قرار التأييد كقرار حكومة المنفى اليمنية، أو الحكومات التي ترزح تحت وصاية سعودية وإماراتية بامتياز كقرار حكومة الانقلاب المصرية، وغيرها من الحكومات التي مُورسَ ضدها الضغط الخليجي لإعلان موقف داعم وحشد تأييد دولي يحقق النجاح لهذا القرار وتجد السعودية والإمارات بغيتها التي تسعى لها منذ زمن.

لقد كان قرار مقاطعة قطر وحصارها بمثابة ويكيليكس عربي كشف خبايا وملفات تم التستر عليها كثيراً، وعبثت في القضايا السياسية والأمنية لدول المنطقة العربية، وعلى رأسها الموقف السعودي والإماراتي الواضح تجاه القضية الفلسطينية، التي تعد في نظر الأمة العربية والإسلامية قضية الأمة الجوهرية متمثلة في الصراع مع العدو الصهيوني المغتصب لمقدسات الأمة.

بينما تنصب السعودية والإمارات العداء الفعلي لحركة المقاومة الإسلامية حماس -تعدها أميركا وإسرائيل جماعة إرهابية- وكانت نصرة حماس والوقوف معها جريمة قطر الكبرى التي استحقت الحصار وقطع العلاقات الدبلوماسية الخليجية معها بتهمة تمويل ودعم الإرهاب، بل أيضاً كانت هي نفس التهمة التي أطاحت بالرئيس الشرعي المصري الدكتور محمد مرسي، بانقلاب عسكري رعته ونفذته الدولتان الخليجيتان نفسهما.

فيما يوجه البعض سؤالاً محيّراً وبسيطاً لتلك الدول: لماذا حماس؟ مَن أرهبت؟ ومَن حاربت؟ وأين فجّرت؟

عندما تفتحت أزهار الربيع الوديعة والجميلة معلنةً فجراً قادماً لحلم الشعوب العربية، متمثلاً باندلاع ربيع الثورات في عام 2011، وأعلنت صرخةً عربيةً هزت عروش المستبدين العرب الذين جثموا عقوداً فوق صدور الشعوب، فخرجت الجماهير العربية يتقدمها الجوع والمرض والجهل والتخلف الذي أنتجته حكوماتهم المستبدة، والذي قررت الشعوب أن قد حانت النهاية، وأتى الوقت لاسترجاع حقها المغتصب واستعادة قرارها الذي يمنح الجماهير السلطة الأولى في تحقيق مصيرها، إلا أن ذلك الحلم لم يكتمل عندما وقفت السعودية والإمارات موقفاً ممانعاً أمام طوفان الشعوب الهائج؛ محاولة كتم أنفاس الثورات، وساهمت بكل قوة في إجهاضها، والتي لم تفلح في إجهاضها رعت ثورات مضادة تمثلت في انقلاب مصر واليمن وليبيا، وأدخلت تلك الدول في دوامة من الصراع ما زالت حتى اللحظة تدفع ثمن انتفاضتها وصحوتها.

فيما وقفت قطر إلى جانب تلك الثورات ونصرة للشعوب المقهورة وقيم الحرية والعدالة، ولعبت بذلك قناة الجزيرة الدور الأبرز في خارطة الإعلام العربي للتعبير عن الثورات ودعمها وإيصال رسالتها للعالم كله، ولهذا تُعاقب قطر بمختلف الوسائل، وكيل التهم الباطلة التي تهدف للنيل منها، ليس الآن فقط بل سبق أن تكرر نفس الأمر بما عرف بأزمة سحب السفراء في مارس/آذار 2014 وللسبب ذاته إلا أنه لم يرقَ بدرجة الخطورة إلى ما حصل مؤخراً في يونيو/حزيران 2017.

الأجندة التي استخدمتها السعودية ومعها الإمارات في ضرب الثورات لم تكن سياسية فحسب، بل سخرت كل إمكاناتها في ردع مكتسبات الشعوب المطالبة بالحرية، ووجهت إعلامها المركّز والموجّه في سبيل إجهاض الثورات، ولم تعد ذلك تدخلاً في شؤون دولٍ أخرى بل لم يسمه أحدٌ إعلاماً معادياً كما يوجهون سهامهم نحو شبكة الجزيرة منبر الشعوب وصديقة الثورات.

مقاطعة قطر كشفت الكثير للجمهور العربي وللعالم، ووضعت الجميع أمام تساؤلات عديدة وجملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها أو إنكارها، ومنها على سبيل المثال أنها أظهرت أن المملكة العربية السعودية هي المسيطر على القرار العربي، بل والإسلامي، وأن الإرادة والقرار العربي والإسلامي مسلوبان تتحكم بهما حفنة من زعماء السعودية والإمارات، وبقية الدول إما خاضعة بشكل مباشر أو مهادنة بطريقة دبلوماسية، لكنها لا ترقى إلى مرتبة امتلاك القرار السيادي تجاه القضايا العربية والإسلامية، ويتجلى ذلك من خلال تجميدها لدور الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي اللذين من المفترض أن يكون دورهما الأهم في ظروف التوترات السياسية وغيرها.

من الواضح أيضاً الانفصام الحقيقي بين الشعوب العربية وحكوماتها وهذا بطبيعة الحال يفسر أن الحكومات مجرد أدوات تابعة لأنظمة معينة مرتهنة بقرارها إلى الخارج، بعيدة عن قضايا الشعوب واتجاهاتها، وهذا الانفصام يؤكد بالضرورة أن قرار الشعوب مختطف، ولا يعبر عن اتجاهاتها الحقيقية، فالشعوب العربية والإسلامية أبدت تعاطفها القوي مع دولة قطر، واستنكارها لمواقف تلك الحكومات المستعارة لتزييف الإرادة الشعبية.

الصحوة العربية التي انتفضت وحطمت القيود التي استعبدتها طويلاً حققت تغييراً جذرياً ملموساً في وعي الشعوب العربية، وأصبحت الشعوب تصدح بصوتها وتعبر عن إرادتها أكثر إذا ما قارناها قبل ثورات الربيع العربي، خارطة الصراع اتضحت كثيراً وأصبح المواطن العربي يدرك أين يكمن العداء الحقيقي؟

ومن الصعب استحمار الشعوب أو تزييف إرادتها إذا ما زيفت مواقف الحكومات، وارتهان الشعوب تحت حكومات غير مؤهلة في تمثيلها وحكمها مرهون أيضاً باتجاهات المحور المؤثر في قضايا المنطقة، ولذا فالمشروع الذي أجهض ثورات الربيع وسعى لإخمادها بكل الوسائل والطرق الهمجية والعبثية هو الذي يعاقب الشعوب اليوم أيضاً بمختلف الوسائل والأساليب الخبيثة والحمقاء، لكن السؤال الأهم الذي يضع نفسه: هل مات الربيع الذي نصبوا كل هذا لموته؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.